تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
كما يحمى أحدكم مريضه من الطعام والشراب وهو يحبه . هكذا ورد في الخبر عن سيد البشر وكان أرباب البصائر إذا أقبلت عليهم الدنيا حزنوا وقالوا : ذنب عجلت عقوبته . ورأوا ذلك علامة المقت والإهمال . وإذا أقبل عليهم الفقر قالوا مرحبا بشعار الصالحين . والمغرور إذا أقبلت عليه الدنيا ظن أنها كرامة من الله ، وإذا صرفت عنه ظن أنها هو ان ، كما أخبر الله تعالى عنه إذ قال * ( فَأَمَّا الإِنْسانُ إِذا ما ابْتَلاه ُ رَبُّه ُ فَأَكْرَمَه ُ ونَعَّمَه ُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وأَمَّا إِذا ما ابْتَلاه ُ فَقَدَرَ عَلَيْه ِ رِزْقَه ُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ) * « 1 » فأجاب الله عن ذلك * ( كَلَّا ) * « 2 » أي ليس كما قال ، إنما هو ابتلاء ، نعوذ باللَّه من شر البلاء ، ونسأل الله التثبيت . فبين أن ذلك غرور . قال الحسن : كذبهما جميعا بقوله * ( كَلَّا ) * « 3 » يقول ليس هذا باكرامى ولا هذا بهواني . ولكن الكريم من أكرمته بطاعتى ، غنيا كان أو فقيرا ، والمهان من أهنته بمعصيتي ، غنيا كان أو فقيرا . وهذا الغرور علاجه معرفة دلائل الكرامة والهوان ، إما بالبصيرة أو بالتقليد أما البصيرة فبأن يعرف وجه كون الالتفات إلى شهوات الدنيا مبعدا عن الله ، ووجه كون التباعد عنها مقربا إلى الله ، ويدرك ذلك بالإلهام في منازل العارفين والأولياء ، وشرحه من جملة علوم المكاشفة ، ولا يليق بعلم المعاملة . وأما معرفته بطريق التقليد والتصديق ، فهو أن يؤمن بكتاب الله تعالى ، ويصدق رسوله . وقد قال تعالى * ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ به من مالٍ وبَنِينَ . نُسارِعُ لَهُمْ في الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) * « 4 » وقال تعالى * ( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ من حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) * « 5 » وقال تعالى * ( فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ) * « 6 » وفي تفسير قوله تعالى * ( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ من حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) * « 7 » أنهم كلما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة . ليزيد غرورهم وقال تعالى * ( إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ) * « 8 » وقال تعالى * ( ولا تَحْسَبَنَّ الله غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيه ِ الأَبْصارُ ) * « 9 » إلى غير ذلك مما ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله . فمن آمن به تخلص من هذا الغرور ، فإن منشأ هذا الغرور
هامش
« 1 » الفجر : 15 « 2 » الفجر : 16 « 3 » الفجر : 17 « 4 » المؤمنون : 55 ، 56 « 5 » القلم : 44 « 6 » الانعام : 44 « 7 » القلم : 44 « 8 » آل عمران : 178 « 9 » إبراهيم : 32
إحياء علوم الدين — صفحة 87 | الغزالي