وقال الله تعالى * ( ولَئِنْ أَذَقْناه ُ رَحْمَةً مِنَّا من بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْه ُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَه ُ لَلْحُسْنى ) * « 1 » وهذا كله من الغرور باللَّه ، وسببه قياس من أقيسة إبليس نعوذ باللَّه منه ، وذلك أنهم ينظرون مرة إلى نعم الله عليهم في الدنيا ، فيقيسون عليها نعمة الآخرة . وينظرون مرة إلى تأخير العذاب عنهم ، فيقيسون عليه عذاب الآخرة كما قال تعالى * ( ويَقُولُونَ في أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا الله بِما نَقُولُ ) * « 2 » فقال تعالى جوابا لقولهم * ( حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) * « 3 » ومرة ينظرون إلى المؤمنين وهم فقراء شعث غير ، فيزدرون بهم ويستحقرونهم فيقولون * ( أَهؤُلاءِ من الله عَلَيْهِمْ من بَيْنِنا ) * « 4 » ويقولون * ( لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْه ِ ) * « 5 » وترتيب القياس الذي نظمه في قلوبهم ، أنهم يقولون قد أحسن الله إلينا بنعيم الدنيا ، وكل محسن فهو محب ، وكل محب فإنه يحسن أيضا في المستقبل ، كما قال الشاعر
لقد أحسن الله فيما مضى
كذلك يحسن فيما بقي
وإنما يقيس المستقبل على الماضي بواسطة الكرامة والحب ، إذ يقول : لولا أنى كريم عند الله ومحبوب ، لما أحسن إلىّ ، والتلبيس تحت ظنه أن كل محسن محب ، لا بل تحت ظنه أن إنعامه عليه في الدنيا إحسان ، فقد اغتر باللَّه إذ ظن أنه كريم عنده ، بدليل لا يدل على الكرامة . بل عند ذوي البصائر يدل على الهوان . ومثاله أن يكون للرجل عبدان صغيران يبغض أحدهما ويحب الآخر ، فالذي يحبه يمنعه من اللعب ، ويلزمه المكتب ، ويحبسه فيه ليعلمه الأدب ، ويمنعه من الفواكه وملاذّ الأطعمة التي تضره ، ويسقيه الأدوية التي تنفعه .
والذي يبغضه يهمله ليعيش كيف يريد ، فيلعب ، ولا يدخل المكتب ، ويأكل كل ما يشتهي ، فيظن هذا العبد المهمل أنه عند سيده محبوب كريم ، لأنه مكنه من شهواته ولذاته وساعده على جميع أغراضه . فلم يمنعه ولم يحجر عليه . وذلك محض الغرور وهكذا نعيم الدنيا ولذاتها . فإنها مهلكات ومبعدات من الله ، [ 1 ] فإن الله يحمى عبده من الدنيا وهو يحبه
شرح
[ 1 ] حديث ان الله يحمى عبده من الدنيا وهو يحبه - الحديث : الترمذي وحسنه والحاكم وصححه من حديث قتادة بن النعمان
هامش
« 1 » فصلت : 50
« 2 » المجادلة : 8
« 3 » المجادلة : 8
« 4 » الانعام : 53
« 5 » الأحقاف : 11