تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
[ 1 ] « الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه » وقال تعالى - * ( والْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالْحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) * « 1 » - فوعد المغفرة في جميع كتاب الله تعالى منوط بالإيمان والعمل الصالح جميعا ، لا بالإيمان وحده . فهؤلاء أيضا مغرورون ، أعنى المطمئنين إلى الدنيا ، الفرحين بها . المترفين بنعيمها ، المحبين لها ، الكارهين للموت خيفة فوات لذات الدنيا ، دون الكارهين له خيفة لما بعده . فهذا مثال الغرور بالدنيا من الكفار والمؤمنين جميعا . ولنذكر للغرور باللَّه مثالين من غرور الكافرين والعاصين فأما غرور الكفار باللَّه ، فمثاله قول بعضهم في أنفسهم وبألسنتهم إنه لو كان لله من معاد ، فنحن أحق به من غيرنا ، ونحن أوفر حظا فيه وأسعد حالا ، كما أخبر الله تعالى عنه من قول الرجلين المتحاورين إذ قال * ( وما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ) * « 2 » وجملة أمرهما كما نقل في التفسير . أن الكافر منهما بنى قصرا بألف دينار ، واشترى بستانا بألف دينار ، وخدما بألف دينار ، وتزوج امرأة على ألف دينار . وفي ذلك كله يعظه المؤمن ويقول : اشتريت قصرا يفنى ويخرب ، ألا اشتريت قصرا في الجنة لا يفنى ! واشتريت بستانا يخرب ويفنى ، ألا اشتريت بستانا في الجنة لا يفنى ! وخدما لا يفنون ولا يموتون ! وزوجة من الحور العين لا تموت ! وفي كل ذلك يرد عليه الكافر ويقول : ما هناك شيء ، وما قيل من ذلك فهو أكاذيب ، وإن كان فليكونن لي في الجنة خير من هذا وكذلك وصف الله تعالى قول العاص بن وائل إذ يقول * ( لأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَداً ) * « 3 » فقال الله تعالى ردّا عليه * ( أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً كَلَّا ) * « 4 » . وروى عن خباب بن الأرت أنه قال [ 2 ] : كان لي على العاص بن وائل دين ، فجئت أتقاضاه ، فلم يقض لي . فقلت إني آخذه في الآخرة . فقال لي : إذا صرت إلى الآخرة فإن لي هناك مالا وولدا أقضيك منه . فأنزل الله تعالى قوله * ( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَداً ) * « 5 »
شرح
[ 1 ] حديث الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه : متفق عليه من حديث ابن عمر وقد تقدم [ 2 ] حديث خباب بن الأرت قال كان لي على العاص بن وائل دين فجئت أتقاضاه - الحديث : في نزول قوله تعالى أفرأيت الذي كفر بآياتنا الآية البخاري : مسلم
هامش
« 1 » سورة العصر « 2 » الكهف : 36 « 3 » مريم : 77 « 4 » مريم : 78 « 5 » مريم : 77
إحياء علوم الدين — صفحة 85 | الغزالي