تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
في ذكره ، لاستضرار أكثر الخلق بسماعه كسر القدر الذي منع من إفشائه . فمن عرف سر الروح فقد عرف نفسه وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه وإذا عرف نفسه وربه عرف أنه أمر رباني بطبعه وفطرته ، وأنه في العالم الجسماني غريب ، وأن هبوطه إليه لم يكن بمقتضى طبعه في ذاته ، بل بأمر عارض غريب من ذاته . وذلك العارض الغريب ورد على آدم صلَّى الله عليه وسلم ، وعبر عنه بالمعصية ، وهي التي حطته عن الجنة التي هي أليق به بمقتضى ذاته ، فإنها في جوار الرب تعالى ، وأنه أمر رباني ، وحنينه إلى جوار الرب تعالى له طبعى ذاتي ، إلا أن يصرفه عن مقتضى طبعه عوارض العالم الغريب من ذاته ، فينسى عند ذلك نفسه وربه ومهما فعل ذلك فقد ظلم نفسه ، إذ قيل له * ( ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) * « 1 » أي الخارجون عن مقتضى طبعهم ومظنة استحقاقهم . يقال فسقت الرطبة عن كمامها إذا خرجت عن معدنها الفطري وهذه إشارة إلى أسرار يهتز لاستنشاق روائحها العارفون ، وتشمئز من سماع ألفاظها القاصرون فإنها تضرّ بهم كما تضر رياح الورد بالجعل ، وتبهر أعينهم الضعيفة كما تبهر الشمس أبصار الخفافيش . وانفتاح هذا الباب من سر القلب إلى عالم الملكوت يسمى معرفة وولاية ، ويسمى صاحبه وليا وعارفا وهي مبادى مقامات الأنبياء ، وآخر مقامات الأولياء أول مقامات الأنبياء ولنرجع إلى الغرض المطلوب . فالمقصود أن غرور الشيطان بأن الآخرة شك ، يدفع إما بيقين تقليدي ، وإما ببصيرة ومشاهدة من جهة الباطن . والمؤمنون بألسنتهم وبعقائدهم إذا ضيعوا أوامر الله تعالى ، وهجروا الأعمال الصالحة ، ولابسوا الشهوات والمعاصي ، فهم مشاركون للكفار في هذا الغرور ، لأنهم آثروا الحياء الدنيا على الآخرة . نعم أمرهم أخف لأن أصل الإيمان يعصمهم عن عقاب الأبد ، فيخرجون من النار ولو بعد حين ، ولكنهم أيضا من المغرورين ، فإنهم اعترفوا بأن الآخرة خير من الدنيا ، ولكنهم مالوا إلى الدنيا وآثروها ، ومجرد الإيمان لا يكفي للفوز . قال تعالى * ( وإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) * « 2 » وقال تعالى * ( إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ من الْمُحْسِنِينَ ) * « 3 » ثم قال النبي صلَّى الله عليه وسلم
هامش
« 1 » الحشر : 19 « 2 » طه : 82 « 3 » الأعراف : 56