تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
صلَّى الله عليه وسلَّم اعملا لأنفسكما فإنّى لا أغنى عنكما من الله شيئا « فمن عرف هذه الأمور ، وعلم أن شرفه بقدر تقواه ، وقد كان من عادة آبائه التواضع ، اقتدى بهم في التقوى والتواضع . وإلا كان طاعنا في نسب نفسه بلسان حاله ، مهما انتمى إليهم ولم يشبههم في التواضع ، والتقوى ، والخوف ، والإشفاق . فإن قلت : فقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] بعد قوله لفاطمة وصفية « إنّى لا أغنى عنكما من الله شيئا إلَّا أنّ لكم رحما سأبلَّها ببلالها » « 1 » وقال عليه الصلاة والسلام [ 2 ] « أترجو سليم شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطَّلب » فذلك يدل على أنه سيخص قرابته بالشفاعة فاعلم أن كل مسلم فهو منتظر شفاعة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم . والنسيب أيضا جدير بأن يرجوها ، لكن بشرط أن يتقى الله أن يغضب عليه . فإنه إن يغضب عليه . فلا يأذن لأحد في شفاعته ، لأن الذنوب منقسمة إلى ما يوجب المقت فلا يؤذن في الشفاعة له ، وإلى ما يعفى عنه بسبب الشفاعة . كالذنوب عند ملوك الدنيا . فإن كل ذي مكانة عند الملك لا يقدر على الشفاعة فيما اشتد عليه غضب الملك . فمن الذنوب ما لا تنجى منه الشفاعة . وعند العبارة بقوله تعالى * ( ولا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) * « 2 » وبقوله * ( من ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَه ُ إِلَّا بِإِذْنِه ِ ) * « 3 » وبقوله * ( ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَه ُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه ُ ) * « 4 » وبقوله * ( فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ) * « 5 » وإذا انقسمت الذنوب إلى ما يشفع فيه وإلى ما لا يشفع فيه ، وجب الخوف والإشفاق لا محالة ، ولو كان كل ذنب تقبل فيه الشفاعة ، لما أمر قريشا بالطاعة ، ولما نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها عن المعصية ، ولكان يأذن لها في اتباع الشهوات لتكمل لذاتها في الدنيا ، ثم يشفع لها في الآخرة لتكمل لذاتها في الآخرة . فالانهماك في الذنوب وترك التقوى ، اتكالا على رجاء الشفاعة ، يضاهي انهماك المريض في شهواته ،
شرح
[ 1 ] حديث قوله بعد قوله المتقدم لفاطمة وصفية إلا أن لكما رحما سأبلها ببلالها : مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها [ 2 ] حديث أترجو سليم شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب : الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله ابن جعفر وفيه أصرم بن حوشب عن إسحاق بن واصل وكلاهما ضعيف جدا
هامش
« 1 » سأبلها ببلالها : أي أصلكم في الدنيا ولا أغنى عنكم من اللَّه شيئا « 2 » الأنبياء : 28 « 3 » البقرة : 255 « 4 » سبأ : 23 « 5 » المدثر : 48
إحياء علوم الدين — صفحة 72 | الغزالي