قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله . ثم كيف يعجب بهم ، وإنهم سيفترقون عنه إذا مات ، فيدفن في قبره ذليلا مهينا وحده ، لا يرافقه أهل ولا ولد ، ولا قريب ، ولا حميم ، ولا عشير ، فيسلمونه إلى البلى ، والحيات ، والعقارب ، والديدان ، ولا يغنون عنه شيئا ، وهو في أحوج أوقاته إليهم . وكذلك يهربون منه يوم القيامة * ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ من أَخِيه ِ وأُمِّه ِ وأَبِيه ِ وصاحِبَتِه ِ وبَنِيه ِ ) * « 1 » الآية . فأي خير فيمن يفارقك في أشد أحوالك ويهرب منك ، وكيف تعجب به ولا ينفعك في القبر ، والقيامة ، وعلى الصراط ، إلا عملك وفضل الله تعالى فكيف تتكل على من لا ينفعك ، وتنسى نعم من يملك نفعك وضرك ، وموتك وحياتك
السابع : العجب بالمال .
كما قال تعالى إخبارا عن صاحب الجنتين إذ قال * ( أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وأَعَزُّ نَفَراً ) * « 2 » ورأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] رجلا غنيا جلس بجنبه فقير ، فانقبض عنه وجمع ثيابه . فقال عليه السّلام « أخشيت أن يعدو إليك فقره » وذلك للعجب بالغنى وعلاجه أن يتفكر في آفات المال ، وكثرة حقوقه ، وعظم غوائله . وينظر إلى فضيلة الفقراء ، وسبقهم إلى الجنة في القيامة ، وإلى أن المال غاد ورائح ولا أصل له ، وإلى أن في اليهود من يزيد عليه في المال ، وإلى قوله عليه الصلاة والسلام [ 2 ] « بينما رجل يتبختر في حلَّة له قد أعجبته نفسه إذ أمر الله الأرض فأخذته فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة » أشار به إلى عقوبة إعجابه بماله ونفسه . وقال أبو ذر : كنت مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، [ 3 ] فدخل المسجد فقال لي « يا أبا ذرّ ارفع رأسك » فرفعت رأسي فإذا رجل عليه ثياب جياد . ثم قال « ارفع رأسك » فرفعت رأسي فإذا رجل عليه ثياب خلقة . فقال لي « يا أبا ذرّ هذا عند الله خير من قراب الأرض مثل هذا » وجميع ما ذكرناه في كتاب الزهد ، وكتاب ذم الدنيا ، وكتاب ذم المال ، يبين حقارة
شرح
[ 1 ] حديث رأى النبي صلَّى الله عليه وسلم رجلا غنيا جلس لجنبه فقير فانقبض منه - الحديث : رواه أحمد في الزهد
[ 2 ] حديث بينما رجل في حلة قد أعجبته نفسه - الحديث : متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم
[ 3 ] حديث أبي ذر كنت مع النبي صلَّى الله عليه وسلم فدخل المسجد فقال لي يا أبا ذر ارفع رأسك فرفعت رأسي - الحديث : وفيه هذا عند الله خير من قراب الأرض مثل هذا ابن حبان في صحيحه
هامش
« 1 » عبس : 43
« 2 » الكهف : 34