تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
موسى عليه السّلام ، فثقب الله تعالى تلك القطعة من الجبل بنقر هدهد ضعيف المنقار ، حتى صارت في عنقه . وقد يتكل المؤمن أيضا على قوته ، كما روى عن سليمان عليه السّلام أنه قال [ 1 ] : لأطوفن الليلة على مائة امرأة . ولم يقل إن شاء الله تعالى . فحرم ما أراد من الولد . وكذلك قول داود عليه السّلام : إن ابتليتني صبرت . وكان إعجابا منه بالقوة ، فلما ابتلى بالمرأة لم يصبر ويورث العجب بالقوة الهجوم في الحروب ، وإلقاء النفس في التهلكة ، والمبادرة إلى الضرب والقتل لكل من قصد بالسوء . وعلاجه ما ذكرناه ، وهو أن يعلم أن حمى يوم تضعف قوته ، وأنه إذا أعجب بها ربما سلبها الله تعالى بأدنى آفة يسلطها عليه الثالث : العجب بالعقل والكياسة ، والتفطن لدقائق الأمور من مصالح الدين والدنيا وثمرته الاستبداد بالرأي ، وترك المشورة ، واستجهال الناس المخالفين له ولرأيه . ويخرج إلى قلة الإصغاء إلى أهل العلم ، إعراضا عنهم بالاستغناء بالرأي والعقل ، واستحقارا لهم وإهانة وعلاجه أن يشكر الله تعالى على ما رزق من العقل ، ويتفكر أنه بأدنى مرض يصيب دماغه كيف يوسوس ويجن ، بحيث يضحك منه . فلا يأمن أن يسلب عقله إن أعجب به ولم يقم بشكره . وليستقصر عقله وعلمه ، وليعلم أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا ، وإن اتسع علمه . وأن ما جهله مما عرفه الناس أكثر مما عرفه ، فكيف بما لم يعرفه الناس من علم الله تعالى ! وأن يتهم عقله . وينظر إلى الحمقى كيف يعجبون بعقولهم ويضحك الناس منهم . فيحذر أن يكون منهم وهو لا يدرى ، فإن القاصر العقل قط لا يعلم قصور عقله ، فينبغي أن يعرف مقدار عقله من غيره لا من نفسه . ومن أعدائه لا من أصدقائه ، فإن من يداهنه يثنى عليه ، فيزيده عجبا ، وهو لا يظن بنفسه إلا الخير ، ولا يفطن لجهل نفسه فيزداد به عجبا . الرابع : العجب بالنسب الشريف . كعجب الهاشمية . حتى يظن بعضهم أنه ينجو بشرف نسبه ونجاة آبائه ، وأنه مغفور له . ويتخيل بعضهم أن جميع الخلق له موال وعبيد . وعلاجه أن يعلم أنه مهما خالف آباءه في أفعالهم وأخلاقهم ، وظن أنه ملحق بهم ، فقد جهل . وإن اقتدى بآبائه . فما كان من أخلاقهم العجب ، بل الخوف والإزراء على النفس ،
شرح
[ 1 ] حديث قال سليمان لأطوفن الليلة بمائة امرأة - الحديث : البخاري من حديث أبي هريرة
إحياء علوم الدين — صفحة 70 | الغزالي