حتى تيسر لك الخير ، وتيسر لهم الشر . فعل ذلك كله بك من غير وسيلة سابقة منك ، ولا جريمة سابقة من الفاسق العاصي . بل آثرك ، وقدمك ، واصطفاك بفضله ، وأبعد العاصي ، وأشقاه بعدله . فما أعجب إعجابك بنفسك إذا عرفت ذلك ! فإذا لا تنصرف قدرتك إلى المقدور إلا بتسليط الله عليك داعية لا تجد سبيلا إلى مخالفتها فكأنه الذي اضطرك إلى الفعل إن كنت فاعلا تحقيقا فله الشكر والمنة لا لك . وسيأتي في كتاب التوحيد والتوكل من بيان تسلسل الأسباب والمسببات ما تستبين به أنه لا فاعل إلا الله ، ولا خالق سواه . والعجب ممن يتعجب إذا رزقه الله عقلا ، وأفقره ممن أفاض عليه المال من غير علم ، فيقول كيف منعني قوت يومي وأنا العاقل الفاضل ! وأفاض على هذا نعيم الدنيا وهو الغافل الجاهل ! حتى يكاد يرى هذا ظلما . ولا يدرى المغرور أنه لو جمع له بين العقل والمال جميعا ، لكان ذلك بالظلم أشبه في ظاهر الحال . إذ يقول الجاهل الفقير يا رب لم جمعت له بين العقل والغنى وحرمتني منهما ؟ فهلا جمعتهما لي أو هلا رزقتني أحدهما وإلى هذا أشار على رضي الله عنه حيث قيل له . ما بال العقلاء فقراء ؟ فقال : إن عقل الرجل محسوب عليه من رزقه . والعجب أن العاقل الفقير ربما يرى الجاهل الغنى أحسن حالا من نفسه . ولو قيل له هل تؤثر جهله وغناه عوضا عن عقلك وفقرك ؟ لامتنع عنه ، فإذا ذلك يدل على أن نعمة الله عليه أكبر ، فلم يتعجب من ذلك ؟ والمرأة الحسناء الفقيرة ترى الحلي والجواهر على الذميمة القبيحة ، فتتعجب وتقول : كيف يحرم مثل هذا الجمال من الزينة ؟
ويخصص مثل ذلك القبح ! ولا تدري المغرورة أن الجمال محسوب عليها من رزقها ، وأنها لو خيرت بين الجمال وبين القبح مع الغنى لآثرت الجمال . فإذن نعمة الله عليها أكبر . وقول الحكيم الفقير العاقل بقلبه . يا رب لم حرمتني الدنيا وأعطيتها الجهال ، كقول من أعطاه الملك فرسا فيقول . أيها الملك لم لا تعطيني الغلام وأنا صاحب فرس ؟ فيقول كنت لا تتعجب من هذا لو لم أعطك الفرس . فهب أنى ما أعطيتك فرسا ، أصارت نعمتي عليك وسيلة لك وحجة ، تطلب بها نعمة أخرى . فهذه أوهام لا تخلو الجهال عنها ومنشأ جميع ذلك الجهل ويزال ذلك بالعلم المحقق بأن العبد ، وعمله ، وأوصافه ، كل ذلك من عند الله تعالى نعمة ابتدأه بها قبل الاستحقاق ، وهذا ينفى العجب والإدلال ، ويورث الخضوع ، والشكر ،
إحياء علوم الدين — صفحة 67
مساهمون: الغزالي
ص٦٧