تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
الإرادة . ولو أردت أن تنفى شيئا من هذا عن نفسك لم تقدر عليه . ثم خلق الحركات في أعضائك ، مستبدا باختراعها من غير مشاركة من جهتك معه في الاختراع ، إلا أنه خلقه على ترتيب ، فلم يخلق الحركة ما لم يخلق في العضو قوة ، وفي القلب إرادة . ولم يخلق إرادة ما لم يخلق علما بالمراد . ولم يخلق علما ما لم يخلق القلب الذي هو محل العلم . فتدريجه في الخلق شيئا بعد شيء هو الذي خيل لك أنك أوجدت عملك ، وقد غلطت . وإيضاح ذلك وكيفية الثواب على عمل هو من خلق الله ، سيأتي تقريره في كتاب الشكر ، فإنه أليق به . فارجع إليه ونحن الآن نزيل إشكالك بالجواب الثاني ، الذي فيه مسامحة ما ، وهو أن تحسب أن العمل حصل بقدرتك . فمن أين قدرتك ؟ ولا يتصور العمل إلا بوجودك ، ووجود عملك وإرادتك ، وقدرتك ، وسائر أسباب عملك وكل ذلك من الله تعالى لا منك . فإن كان العمل بالقدرة ، فالقدرة مفتاحه . وهذا المفتاح بيد الله ومهما لم يعطك المفتاح فلا يمكنك العمل فالعبادات خزائن بها يتوصل إلى السعادات ، ومفاتيحها القدرة ، والإرادة ، والعلم ، وهي بيد الله لا محالة . أرأيت لو رأيت خزائن الدنيا مجموعة في قلعة حصينة ، ومفتاحها بيد خازن ولو جلست على بابها وحول حيطانها ألف سنة لم يمكنك أن تنظر إلى دينار مما فيها ولو أعطاك المفتاح لأخذته من قريب ، بأن تبسط يدك إليه فتأخذه فقط . فإذا أعطاك الخازن المفاتيح وسلطك عليها ، ومكنك منها ، فمددت يدك وأخذتها ، كان إعجابك بإعطاء الخازن المفاتيح أو بما إليك من مد اليد وأخذها ؟ فلا تشك في أنك ترى ذلك نعمة من الخازن ، لأن المؤنة في تحريك اليد بأخذ المال قريبة . وإنما الشأن كله في تسليم المفاتيح : فكذلك مهما خلقت القدرة وسلطت الإرادة الجازمة ، وحركت الدواعي والبواعث ، وصرف عنك الموانع والصوارف ، حتى لم يبق صارف إلا دفع ، ولا باعث إلا وكل بك ، فالعمل هين عليك وتحريك البواعث ، وصرف العوائق ، وتهيئة الأسباب ، كلها من الله ، ليس شيء منها إليك فمن العجائب أن تعجب بنفسك ولا تعجب بمن إليه الأمر كله ، ولا تعجب بجوده ، وفضله وكرمه في إيثاره إياك على الفساق من عباده ، إذ سلط دواعي الفساد على الفساق ، وصرفها عنك ، وسلط أخدان السوء ودعاة الشر عليهم ، وصرفهم عنك ، ومكنهم من أسباب الشهوات واللذات ، وزواها عنك ، وصرف عنهم بواعث الخير ودواعيه ، وسلطها عليك
إحياء علوم الدين — صفحة 66 | الغزالي