لا يظلم ، ولا يقدم ولا يؤخر إلا لسبب ، فلو لا أنه تفطن في صفة من الصفات المحمودة الباطنة ، لما اقتضى الإيثار بالخلعة ، ولما آثرني بها . فيقال وتلك الصفة أيضا هي من خلعة الملك وعطيته ، التي خصصك بها من غيرك من غير وسيلة . أو هي عطية غيره ؟ فإن كانت من عطية الملك أيضا ، لم يكن لك أن تعجب بها . بل كان كما لو أعطاك فرسا فلم تعجب به ، فأعطاك غلاما فصرت تعجب به وتقول : إنما أعطاني غلاما لأني صاحب فرس فأما غيري فلا فرس له . فيقال وهو الذي أعطاك الفرس ، فلا فرق بين أن يعطيك الفرس والغلام معا ، أو يعطيك أحدهما بعد الآخر . فإذا كان الكل منه فينبغي أن يعجبك جوده وفضله لا نفسك وأما إن كانت تلك الصفة من غيره ، فلا يبعد أن تعجب بتلك الصفة . وهذا يتصوّر في حق الملوك ، ولا يتصوّر في حق الجبار القاهر ملك الملوك ، المنفرد باختراع الجميع المنفرد بإيجاد الموصوف والصفة . فإنك إن أعجبت بعبادتك ، وقلت وفقني للعبادة لحبي له ، فيقال ومن خلق الحب في قلبك ؟ فسنقول هو . فيقال فالحب والعبادة كلاهما نعمتان من عنده ، ابتدأك بهما من غير استحقاق من جهتك ، إذ لا وسيلة لك ولا علاقة ، فيكون الإعجاب بجوده ، إذ أنعم بوجودك ووجود صفاتك ، وبوجود أعمالك وأسباب أعمالك فإذا لا معنى لعجب العابد بعبادته ، وعجب العالم بعلمه ، وعجب الجميل بجماله ، وعجب الغنى بغناه ، لأن كل ذلك من فضل الله ، وإنما هو محل لفيضان فضل الله تعالى وجوده ، والمحل أيضا من فضله وجوده . فإن قلت : لا يمكنني أن أجهل أعمالى ، وأنى أنا عملتها ، فإني أنتظر عليها ثوابا ، ولولا أنها عملي لما انتظرت ثوابا ، فإن كانت الأعمال مخلوقة لله على سبيل الاختراع فمن أين لي الثواب . وإن كانت الأعمال منى وبقدرتي فكيف لا أعجب بها فاعلم أن جوابك من وجهين . أحدهما هو صريح الحق ، والآخر فيه مسامحة . أما صريح الحق فهو أنك وقدرتك ، وإرادتك وحركتك ، وجميع ذلك من خلق الله واختراعه . فما عملت إذ عملت ، وما صليت إذ صليت ، وما رميت إذ رميت ، ولكن الله رمى . فهذا هو الحق الذي انكشف لأرباب القلوب ، بمشاهدة أوضح من أبصار العين . بل خلقك وخلق أعضاءك ، وخلق فيها القوة والقدرة والصحة ، وخلق لك العقل والعلم ، وخلق لك
إحياء علوم الدين — صفحة 65
مساهمون: الغزالي
ص٦٥