تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وكل متكبر بأمر خارج عن ذاته فهو ظاهر الجهل . كيف والمتكبر بالغنى لو تأمل لرأى في اليهود من يزيد عليه في الغنى والثروة والتجمل . فأف لشرف يسبقك به اليهودي وأف لشرف يأخذه السارق في لحظة واحدة ، فيعود صاحبه ذليلا مفلسا . فهذه أسباب ليست في ذاته . وما هو في ذاته ليس إليه دوام وجوده ، وهو في الآخرة وبال ونكال فالتفاخر به غاية الجهل . وكل ما ليس إليك فليس لك . وشئ من هذه الأمور ليس إليك بل إلى واهبه ، إن أبقاه لك ، وإن استرجعه زال عنك . وما أنت إلا عبد مملوك لا تقدر على شيء . ومن عرف ذلك لا بد وأن يزول كبره . ومثاله أن يفتخر الغافل بقوته ، وجماله وماله ، وحريته ، واستقلاله ، وسعة منازله ، وكثرة خيوله وغلمانه ، إذ شهد عليه شاهدان عدلان عند حاكم منصف ، بأنه رقيق لفلان ، وأن أبويه كانا مملوكين له ، فعلم ذلك وحكم به الحاكم ، فجاء مالكه فأخذه وأخذ جميع ما في يده ، وهو مع ذلك يخشى أن يعاقبه وينكل به لتفريطه في أمواله ، وتقصيره في طلب مالكه ليعرف أن له مالكا ، ثم نظر العبد فرأى نفسه محبوسا في منزل ، قد أحدقت به الحيات والعقارب والهوام ، وهو في كل حال على وجل من كل واحدة منها ، وقد بقي لا يملك نفسه ولا ماله ، ولا يعرف طريقا في الخلاص البتة . أفترى من هذا حاله هل يفخر بقدرته ، وثروته ، وقوّته ، وكماله ؟ أم تذل نفسه ويخضع ؟ وهذا حال كل عاقل بصير . فإنه يرى نفسه كذلك ، فلا يملك رقبته ، وبدنه وأعضاءه ، وماله ، وهو مع ذلك بين آفات ، وشهوات ، وأمراض ، وأسقام ، هي كالعقارب والحيات ، يخاف منها الهلاك . فمن هذا حاله لا يتكبر بقوّته وقدرته ، إذ يعلم أنه لا قدرة له ولا قوّة فهذا طريق علاج التكبر بالأسباب الخارجة ، وهو أهون من علاج التكبر بالعلم والعمل ، فإنهما كمالان في النفس جديران بأن يفرح بهما ، ولكن التكبر بهما أيضا نوع من الجهل خفى كما سنذكره السبب السادس : الكبر بالعلم ، وهو أعظم الآفات ، وأغلب الأدواء ، وأبعدها عن قبول العلاج إلَّا بشدة شديدة وجهد جهيد . وذلك لأن قدر العلم عظيم عند الله ، عظيم عند الناس . وهو أعظم من قدر المال والجمال وغيرهما . بل لا قدر لهما أصلا إلا ذا كان معهما علم وعمل