وأخس الأشياء ما إليه انتسابه ، إذ يقال : يا أذل من التراب ، ويا أنتن من الحمأة ، ويا أقذر من المضغة فإن كان كونه من أبيه أقرب من كونه من التراب ، فنقول افتخر بالقريب دون البعيد فالنطفة والمضغة أقرب إليه من الأب ، فليحقر نفسه بذلك . ثم إن كان ذلك يوجب رفعة لقربه ، فالأب الأعلى من التراب ، فمن أين رفعته ؟ وإذا لم يكن له رفعة ، فمن أين جاءت الرفعة لولده ؟ فإذا أصله من التراب ، وفصله من النطفة ، فلا أصل له ولا فصل . وهذه غاية خسة النسب . فالأصل يوطأ بالأقدام ، والفصل تغسل منه الأبدان . فهذا هو النسب الحقيقي للإنسان . ومن عرفه لم يتكبر بالنسب ، ويكون مثله بعد هذه المعرفة وانكشاف الغطاء له عن حقيقة أصله ، كرجل لم يزل عند نفسه من بني هاشم ، وقد أخبره بذلك والداه فلم يزل فيه نخوة الشرف ، فبينما هو كذلك إذا أخبره عدول لا يشك في قولهم ، أنه ابن هندى حجام يتعاطى القاذورات ، وكشفوا له وجه التلبيس عليه ، فلم يبق له شك في صدقهم أفترى أن ذلك يبقى شيئا من كبره ؟ لا بل يصير عند نفسه أحقر الناس وأذلهم . فهو من استشعار الخزي لخسته في شغل عن أن يتكبر على غيره . فهذا حال البصير إذا تفكر في أصله وعلم أنه من النطفة ، والمضغة ، والتراب . إذ لو كان أبوه ممن يتعاطى نقل التراب ، أو يتعاطى الدم بالحجامة أو غيرها ، لكان يعلم به خسة نفسه لمماسة أعضاء أبيه للتراب والدم . فكيف إذا عرف أنه في نفسه من التراب والدم والأشياء القذرة التي يتنزه عنها هو في نفسه
السبب الثاني : التكبر بالجمال .
ودواؤه أن ينظر إلى باطنه نظر العقلاء ، ولا ينظر إلى الظاهر نظر البهائم . ومهما نظر إلى باطنه رأى من القبائح ما يقدر عليه تعززه بالجمال ، فإنه وكل به الأقذار في جميع أجزائه ، الرجيع في أمعائه ، والبول في مثانته ، والمخاط في أنفه ، والبزاق في فيه ، والوسخ في أذنيه ، والدم في عروقه ، والصديد تحت بشرته . والصنان تحت إبطه ، يغسل الغائط بيده كل يوم دفعة أو دفعتين ، ويتردد كل يوم إلى الخلاء مرة أو مرتين ليخرج من باطنه ما لو رآه بعينه لاستقذره ، فضلا عن أن يمسه أو يشمه ، كل ذلك ليعرف قذارته وذله . هذا في حال توسطه . وفي أول أمره خلق من الأقذار الشنيعة الصور ، من النطفة ، ودم الحيض وأخرج من مجرى الأقذار ، إذ خرج من الصلب ثم من الذكر مجرى البول ، ثم من الرحم مفيض دم الحيض ، ثم خرج من مجرى القذر
إحياء علوم الدين — صفحة 47
مساهمون: الغزالي
ص٤٧