تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
خطر العلم وهو يعلم أن خطر الفاسق والمبتدع أكثر ؟ فاعلم أن ذلك إنما يمكن بالتفكر في خطر الخاتمة . بل لو نظر إلى كافر لم يمكنه أن يتكبر عليه ، إذ يتصور أن يسلم الكافر ، فيختم له بالإيمان ، ويضل هذا العالم ، فيختم له بالكفر والكبير من هو كبير عند الله في الآخرة . والكلب والخنزير أعلى رتبة ممن هو عند الله من أهل النار وهو لا يدرى ذلك . فكم من مسلم نظر إلى عمر رضي الله عنه قبل إسلامه ، فاستحقره وازدراه لكفره ، وقد رزقه الله الإسلام ، وفاق جميع المسلمين إلا أبا بكر وحده فالعواقب مطوية عن العباد ، ولا ينظر العاقل إلا إلى العاقبة . وجميع الفضائل في الدنيا تراد للعاقبة فإذا من حق العبد أن لا يتكبر على أحد . بل إن نظر إلى جاهل قال . هذا عصى الله بجهل ، وأنا عصيته لعلم ، فهو أعذر منى . وإن نظر إلى عالم قال هذا قد علم ما لم أعلم ، فكيف أكون مثله . وإن نظر إلى كبير هو أكبر منه سنا قال . هذا قد أطال الله قبلي ، فكيف أكون مثله . وإن نظر إلى صغير قال . إني عصيت الله قبله ، فكيف أكون مثله . وإن نظر إلى مبتدع أو كافر قال . ما يدريني لعله يختم له بالإسلام ، ويختم لي بما هو عليه الآن ، فليس دوام الهداية إلىّ ، كما لم يكن ابتداؤها إلىّ فبملاحظة الخاتمة يقدر على أن ينفى الكبر عن نفسه ، وكل ذلك بأن يعلم أن الكمال في سعادة الآخرة والقرب من الله ، لا فيما يظهر في الدنيا مما لا بقاء له ، ولعمري هذا الخطر مشترك بين المتكبر والمتكبر عليه . ولكن حق على كل واحد أن يكون مصروف الهمة إلى نفسه ، مشغول القلب بخوفه لعاقبته . لا أن يشتغل بخوف غيره . فإن الشفيق بسوء الظن مولع ، وشفقة كل إنسان على نفسه . فإذا حبس جماعة في جناية ، ووعدوا بأن تضرب رقابهم ، لم يتفرغوا لتكبر بعضهم على بعض وإن عمهم الخطر ، إذ شغل كل واحد هم نفسه عن الالتفات إلى هم غيره ، حتى كأن كل واحد هو وحده في مصيبته وخطره فإن قلت . فكيف أبغض المبتدع في الله ، وأبغض الفاسق ، وقد أمرت ببغضهما ، ثم مع ذلك أتواضع لهما ، والجمع بينهما متناقض . فاعلم أن هذا أمر مشتبه يلتبس على أكثر الخلق . إذ يمتزج غضبك لله في إنكار البدعة والفسق بكبر النفس ، والإدلال بالعلم والورع . فكم من عابد جاهل ، وعالم مغرور ، إذا رأى فاسقا جلس بجنبه أزعجه من عنده ، وتنزه عنه بكبر باطن في نفسه ، وهو ظان أنه قد غضب لله
إحياء علوم الدين — صفحة 52 | الغزالي