تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
وقد كان بعضهم يقول : يا ليتني لم تلدني أمي . ويأخذ الآخر تبنة من الأرض ويقول : يا ليتني كنت هذه التبنة . ويقول الآخر : ليتني كنت طيرا أوكل . ويقول الآخر : ليتني لم أك شيئا مذكورا . كل ذلك خوفا من خطر العاقبة . فكانوا يرون أنفسهم أسوأ حالا من الطير ومن التراب ، ومهما أطال فكره في الخطر الذي هو بصدده زال بالكلية كبره ، ورأى نفسه كأنه شر الخلق ، ومثاله مثال عبد أمره سيده بأمور فشرع فيها ، فترك بعضها وأدخل النقصان في بعضها ، وشك في بعضها أنه هل أداها على ما يرتضيه سيده أم لا . فأخبره مخبر أن سيده أرسل إليه رسولا يخرجه من كل ما هو فيه عربانا ذليلا ، ويلقيه على بابه في الحر والشمس زمانا طويلا ، حتى إذا ضاق عليه الأمر ، وبلغ به المجهود ، أمر برفع حسابه ، وفتش عن جميع أعماله قليلها وكثيرها ، ثم أمر به إلى سجن ضيق وعذاب دائم ، لا يروح عنه ساعة وقد علم أن سيده قد فعل بطوائف من عبيده مثل ذلك ، وعفا عن بعضهم ؟ وهو لا يدرى من أي الفريقين يكون . فإذا تفكر في ذلك انكسرت نفسه وذل ، وبطل عزه وكبره ، وظهر حزنه وخوفه ، ولم يتكبر على أحد من الخلق ، بل تواضع رجاء أن يكون هو من شفعائه عند نزول العذاب . فكذلك العالم إذا تفكر فيما ضيعه من أوامر ربه ، بجنايات على جوارحه ، وبذنوب في باطنه من الرياء ، والحقد ، والحسد ، والعجب ، والنفاق وغيره ، وعلم مما هو بصدده من الخطر العظيم ، فارقه كبره لا محالة الأمر الثاني : أن العالم يعرف أن الكبر لا يليق إلا باللَّه عز وجل وحده ، وأنه إذا نكبر صار ممقوتا عند الله بغيضا ، وقد أحب الله منه أن يتواضع ، وقال له إن لك عندي قدرا ما لم تر لنفسك قدرا ، فإن رأيت لنفسك قدرا فلا قدر لك عندي . فلا بد وأن يكلف نفسه ما يحبه مولاه منه ، وهذا يزيل التكبر عن قلبه ، وإن كان يستيقن أنه لا ذنب له مثلا أو تصور ذلك . وبهذا زال التكبر عن الأنبياء عليهم السلام ، إذ علموا أن من نازع الله تعالى في رداء الكبرياء قصمه . وقد أمرهم الله بأن يصغروا أنفسهم حتى يعظم عند الله محلهم . فهذا أيضا مما يبعثه على التواضع لا محالة فإن قلت : فكيف يتواضع للفاسق المتظاهر بالفسق وللمبتدع ، وكيف يرى نفسه دونهم وهو عالم عابد ، وكيف يجهل فضل العلم والعبادة عند الله تعالى ، وكيف يغنيه أن يخطر بباله