تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
ولذلك قال كعب الأحبار : إن للعلم طغيانا كطغيان المال . وكذلك قال عمر رضي الله عنه : العالم إذ زل زل بزلته عالم . فيعجز العالم عن أن لا يستعظم نفسه بالإضافة إلى الجاهل لكثرة ما نطق الشرع بفضائل العلم . ولن يقدر العالم على دفع الكبر إلا بمعرفة أمرين : أحدهما : أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد ، وأنه يحتمل من الجاهل ما لم يحتمل عشره من العالم . فإن من عصى الله تعالى عن معرفة وعلم ، فجنايته أفحش ، إذ لم يقض حق نعمة الله عليه في العلم . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النّار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرّحا فيطيف به أهل النّار فيقولون ما لك ؟ فيقول كنت آمر بالخير ولا آتيه وأنهى عن الشّرّ وآتيه » وقد مثل الله سبحانه وتعالى من يعلم ولا يعمل بالحمار والكلب فقال عز وجل * ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ) * « 1 » أراد به علماء اليهود . وقال في بلعم بن باعوراء * ( واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناه ُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها ) * « 2 » حتى بلغ * ( فَمَثَلُه ُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْه ِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْه ُ يَلْهَثْ ) * « 3 » قال ابن عباس رضي الله عنهما : أوتي بلعم كتابا ، فأخلد إلى شهوات الأرض ، أي سكن حبه إليها ، فمثله بالكلب إن تحمل عليه يلهث ، أو تتركه يلهث . أي سواء آتيته الحكمة أو لم أوته لا يدع شهوته ويكفي العالم هذا الخطر . فأي عالم لم يتبع شهوته ؟ وأي عالم لم يأمر بالخير الذي لا يأتيه ؟ فمهما خطر للعالم عظم قدره بالإضافة إلى الجاهل ، فليتفكر في الخطر العظيم الذي هو بصدده فإن خطره أعظم من خطر غيره ، كما أن قدره أعظم من قدر غيره ، فهذا بذاك . وهو كالملك المخاطر بروحه في ملكه لكثرة أعدائه . فإنه إذا أخذ وقهر اشتهى أن يكون قد كان فقيرا . فكم من عالم يشتهي في الآخرة سلامة الجهال والعياذ باللَّه منه فهذا الخطر يمنع من التكبر ، فإنه إن كان من أهل النار فالخنزير أفضل منه ، فكيف يتكبر من هذا حاله ! فلا ينبغي أن يكون العالم عند نفسه أكبر من الصحابة رضوان الله عليهم
شرح
[ 1 ] حديث يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه - الحديث : متفق عليه من حديث أسامة ابن زيد بلفظ يؤتى بالرجل وتقدم في العلم
هامش
« 1 » الجمعة : 5 « 2 » الأعراف : 175 « 3 » الأعراف : 179
إحياء علوم الدين — صفحة 50 | الغزالي