[ 1 ] بايعت النبي صلَّى الله عليه وسلم على أن لا أخرّ إلا قائما ، فبايعه النبي صلَّى الله عليه وسلم عليه ، ثم فقه وكمل إيمانه بعد ذلك ، فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة ، أمروا به لتنكسر بذلك خيلاؤهم ، ويزول كبرهم ، ويستقر التواضع في قلوبهم . وبه أمر سائر الخلق فإن الركوع ، والسجود ، والمثول قائما ، هو العمل الذي يقتضيه التواضع . فكذلك من عرف نفسه فلينظر كل ما يتقاضاه الكبر من الأفعال ، فليواظب على نقيضه ، حتى يصير التواضع له خلقا ، فإن القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل جميعا ، وذلك لخفاء العلاقة بين القلب والجوارح ، وسر الارتباط الذي بين عالم الملك وعالم الملكوت ، والقلب من عالم الملكوت
المقام الثاني : فيما يعرض من التكبر بالأسباب السبعة المذكورة .
وقد ذكرنا في كتاب ذم الجاه أن الكمال الحقيقي هو العلم والعمل . فأما ما عداه مما يفنى بالموت فكمال وهمى . فمن هذا يعسر على العالم أن لا يتكبر ولكنا نذكر طريق العلاج من العلم والعمل في جميع الأسباب السبعة
الأول : النسب .
فمن يعتريه الكبر من جهة النسب فليداو قلبه بمعرفة أمرين :
أحدهما : أن هذا جهل من حيث إنه تعزز بكمال غيره ، ولذلك قيل
لئن فخرت بآباء ذوي شرف
لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا
فالمتكبر بالنسب إن كان خسيسا في صفات ذاته ، فمن أين يجبر خسته بكمال غيره ! بل لو كان الذي ينسب إليه حيا لكان له أن يقول : الفضل لي ، ومن أنت ؟ وإنما أنت دودة خلقت من بولي . أفترى أن الدودة التي خلقت من بول إنسان أشرف من الدودة التي من بول فرس ؟ هيهات ، بل هما متساويان ، والشرف للإنسان لا للدودة الثاني : أن يعرف نسبه الحقيقي ، فيعرف أباه وجده ، فإن أباه القريب نطفة قذرة ، وجده البعيد تراب ذليل . وقد عرفه الله تعالى نسبه فقال * ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه ُ وبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسانِ من طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَه ُ من سُلالَةٍ من ماءٍ مَهِينٍ ) * « 1 » فمن أصله التراب المهين الذي يداس بالأقدام ، ثم خمر طينه حتى صار حمأ مسنونا ، كيف يتكبر
شرح
[ 1 ] حديث حكيم بن حزام بايعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على أن لا أخر إلا قائما - الحديث : رواه أحمد مقتصرا على هذا وفيه إرسال خفى
هامش
« 1 » السجدة : 7 ، 8