قال أنس رحمه الله : كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يخطبنا فيقذر إلينا أنفسنا ويقول : خرج أحدكم من مجرى البول مرتين . وكذلك قال طاوس لعمر بن عبد العزيز . ما هذه مشية من في بطنه خرء . إذ رآه يتبختر ، وكان ذلك قبل خلافته وهذا أوله ووسطه . ولو ترك نفسه في حياته يوما لم يتعهدها بالتنظيف والغسل ، لثارت منه الأنتان والأقذار ، وصار أنتن وأقذر من الدواب المهملة التي لا تتعهد نفسها قط فإذا نظر أنه خلق من أقذار ، وأسكن في أقذار ، وسيموت فيصير جيفة أقذر من سائر الأقذار ، لم يفتخر بجماله الذي هو كخضراء الدمن ، وكلون الأزهار في البوادي ، فبينما هو كذلك إذا صار هشيما تذروه الرياح . كيف ولو كان جماله باقيا ، وعن هذه القبائح خاليا ، لكان يجب أن لا يتكبر به على القبيح ، إذ لم يكن قبح القبيح إليه فينفيه ، ولا كان جمال الجميل إليه حتى يحمد عليه . كيف ولا بقاء له ، بل هو في كل حين يتصور أن يزول بمرض ، أو جدري ، أو قرحة ، أو سبب من الأسباب ، فكم من وجوه جميلة قد سمجت بهذه الأسباب . فمعرفة هذه الأمور تنزع من القلب داء الكبر بالجمال لمن أكثر تأملها
السبب الثالث : التكبر بالقوة والأيدي .
ويمنعه من ذلك أن يعلم ما سلط عليه من العلل والأمراض ، وأنه لو توجع عرق واحد في يده لصار أعجز من كل عاجز ، وأذل من كل ذليل . وأنه لو سلبه الذباب شيئا لم يستنقذه منه . وأن بقة لو دخلت في أنفه ، أو نملة دخلت في أذنه لقتلته . وأن شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته . وأن حمى يوم تحلل من قوته ما لا ينجبر في مدة . فمن لا يطيق شوكة ، ولا يقاوم بقة ، ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه ذبابة ، فلا ينبغي أن يفتخر بقوته . ثم إن قوى الإنسان فلا يكون أقوى من حمار ، أو بقرة أو فيل ، أو جمل . وأي افتخار في صفة يسبقك فيها البهائم .
السبب الرابع والخامس الغنى وكثرة المال .
وفي معناه كثرة الأتباع والأنصار ، والتكبر بولاية السلاطين ، والتمكن من جهتهم . وكل ذلك تكبر بمعنى خارج عن ذات الإنسان كالجمال والقوة والعلم . وهذا أقبح أنواع الكبر . فإن المتكبر بماله كأنه متكبر بفرسه وداره : ولو مات فرسه وانهدمت داره لعاد ذليلا . والمتكبر بتمكين السلطان وولايته لا بصفة في نفسه ، بنى أمره على قلب هو أشد غليانا من القدر . فإن تغير عليه كان أذل الخلق
إحياء علوم الدين — صفحة 48
مساهمون: الغزالي
ص٤٨