يسمع خطابا ، أو يلقى عذابا . وإن كان عند الله مستحقا للنار فالخنزير أشرف منه وأطيب وأرفع ، إذ أوله التراب ، وآخره التراب ، وهو بمعزل عن الحساب والعذاب . والكلب والخنزير لا يهرب منه الخلق ، ولو رأى أهل الدنيا العبد المذنب في النار لصعقوا من وحشة خلقته ، وقبح صورته . ولو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه ، ولو وقعت قطرة من شرابه الذي يسقى منه في بحار الدنيا لصارت أنتن من الجيفة . فمن هذا حاله في العاقبة ، إلا أن يعفو الله عنه وهو على شك من العفو ، كيف يفرح ويبطر ، وكيف يتكبر ويتجبر ، وكيف يرى نفسه شيئا حتى يعتقد له فضلا . وأي عبد لم يذنب ذنبا استحق به العقوبة ؟ إلا أن يعفو الله الكريم بفضله ، ويجبر الكسر بمنه . والرجاء منه ذلك لكرمه وحسن الظن به ، ولا قوة إلا باللَّه أرأيت من جنى على بعض الملوك فاستحق بجنايته ضرب ألف سوط ، فحبس في السجن ، وهو ينتظر أن يخرج إلى العرض ، وتقام عليه العقوبة على ملأ من الخلق ، وليس يدرى أيعفى عنه أم لا ، كيف يكون ذله في السجن ؟ أفترى أنه يتكبر على من في السجن ؟ وما من عبد مذنب إلا والدنيا سجنه ، وقد استحق العقوبة من الله تعالى ، ولا يدرى كيف يكون آخر أمره فيكفيه ذلك حزنا . وخوفا ، وإشفاقا ، ومهانة ، وذلا . فهذا هو العلاج العلمي القامع لأصل الكبر وأما العلاج العملي فهو التواضع لله بالفعل ولسائر الخلق ، بالمواظبة على أخلاق المتواضعين ، كما وصفناه وحكيناه من أحوال الصالحين ، ومن أحوال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] حتى أنه كان يأكل على الأرض ويقول « إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد » وقيل لسلمان لم لا تلبس ثوبا جديدا ؟ فقال : إنما أنا عبد ، فإذا أعتقت يوما ليست جديدا . أشار به إلى العتق في الآخرة . ولا يتم التواضع بعد المعرفة إلا بالعمل ، ولذلك أمر العرب الذين تكبروا على الله ورسوله بالإيمان وبالصلاة جميعا ، وقيل الصلاة عماد الدين وفي الصلاة أسرار لأجلها كانت عمادا . ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائما ، وبالركوع والسجود ، وقد كانت العرب قديما يأنفون من الانحناء ، فكان يسقط من يد الواحد سوطه فلا ينحنى لأخذه ، وينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لإصلاحه ، حتى قال حكيم بن حزام
شرح
[ 1 ] حديث كان يأكل على الأرض ويقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد : تقدم في آداب المعيشة