تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
وأما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى * ( ثُمَّ أَماتَه ُ فَأَقْبَرَه ُ . ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَه ُ ) * « 1 » ومعناه أنه يسلب روحه ، وسمعه ، وبصره ، وعلمه ، وقدرته ، وحسه ، وإدراكه وحركته ، فيعود جمادا كما كان أول مرة ، لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته ، لا حس فيه ولا حركة . ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة ، كما كان في الأول نطفة مذرة . ثم تبلى أعضاؤه ، وتتفتت أجزاؤه ، وتنخر عظامه ، ويصير رميما رفاتا ، ويأكل الدود أجزاءه فيبتدئ بحدقتيه فيقلعهما ، وبخديه فيقطعهما ، وبسائر أجزائه فيصير روثا في أجواف الديدان ، ويكون جيفة يهرب منه الحيوان ، ويستقذره كل إنسان ، ويهرب منه لشدة الإنتان . وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان ، فيصير ترابا يعمل منه الكيزان ، ويعمر منه البنيان ، فيصير مفقودا بعد ما كان موجودا ، وصار كأن لم يغن بالأمس حصيدا ، كما كان في أول أمره أمدا مديدا . وليته بقي كذلك ، فما أحسنه لو ترك ترابا . لا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسى شديد البلاء ، فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة ، ويخرج إلى أهوال القيامة ، فينظر إلى قيامة قائمة ، وسماء مشققة ممزقة ، وأرض مبدلة ، وجبال مسيرة ونجوم منكدرة ، وشمس منكسفة ، وأحوال مظلمة ، وملائكة غلاظ شداد ، وجهنم تزفر وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسر . ويرى صحائف منشورة ، فيقال له اقرأ كتابك ، فيقول وما هو ؟ فيقال كان قد وكل بك في حياتك التي كنت تفرح بها ، وتتكبر بنعيمها . وتفتخر بأسبابها ، ملكان رقيبان ، يكتبان عليك ما كنت تنطق به أو تعمله ، من قليل وكثير ، ونقير وقطمير ، وأكل وشرب ، وقيام وقعود . قد نسيت ذلك وأحصاه الله عليك . فهلم إلى الحساب ، واستعد للجواب ، أو تساق إلى دار العذاب . فينقطع قلبه فزعا من هول هذا الخطاب ، قبل أن تنتشر الصحيفة ويشاهد ما فيها من مخازيه . فإذا شاهده قال : يا ويلتنا ، ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . فهذا آخر أمره ، وهو معنى قوله تعالى * ( ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَه ُ ) * « 2 » . فما لمن هذا حاله والتكبر والتعظم ، بل ماله وللفرح في لحظة واحدة ، فضلا عن البطر والأشر ، فقد ظهر له أول حاله ، ووسطه ، ولو ظهر آخره والعياذ باللَّه تعالى ربما اختار أن يكون كلبا أو خنزيرا ، ليصير مع البهائم ترابا ، ولا يكون إنسانا
هامش
« 1 » عبس : 21 ، 22 « 2 » عبس : 22