وغنيا بعد الفقر . فكان في ذاته لا شيء ، وأي شيء أخس من لا شيء ، وأي قلة أقل من العدم المحض ، ثم صار باللَّه شيئا . وإنما خلقه من التراب الذليل الذي يوطأ بالأقدام ، والنطفة القذرة بعد العدم المحض أيضا ، ليعرفه خسة ذاته ، فيعرف به نفسه . وإنما أكمل النعمة عليه ليعرف بها ربه ، ويعلم بها عظمته وجلاله ، وأنه لا يليق الكبرياء إلا به جل وعلا ، ولذلك امتن عليه فقال * ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَه ُ عَيْنَيْنِ . ولِساناً وشَفَتَيْنِ . وهَدَيْناه ُ النَّجْدَيْنِ ) * « 1 » وعرف خسته أوّلا فقال * ( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً من مَنِيٍّ يُمْنى . ثُمَّ كانَ عَلَقَةً ) * « 2 » ثم ذكر منته عليه فقال * ( فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْه ُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى ) * « 3 » ليدوم وجوده بالتناسل ، كما حصل وجوده أوّلا بالاختراع فمن كان هذا بدأه ، وهذه أحواله ، فمن أين له البطر والكبرياء ، والفخر والخيلاء ، وهو على التحقيق أخس الأخساء ، وأضعف الضعفاء ! ولكن هذه عادة الخسيس ، إذا رفع من خسته شمخ بأنفه وتعظم ، وذلك لدلالة خسة أوّله ، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه . نعم لو أكمله وفوض إليه أمره ، وأدام له الوجود باختياره ، لجاز أن يطغى ، وينسى المبدأ والمنتهى ، ولكنه سلط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة ، والأسقام العظيمة ، والآفات المختلفة ، والطباع المتضادة من المرة ، والبلغم ، والريح ، والدم ، يهدم البعض من أجزائه البعض شاء أم أبى ، أم سخط ، فيجوع كرها ، ويعطش كرها ويمرض كرها ، ويموت كرها ، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، ولا خيرا ولا شرا ، يريد أن يعلم الشيء فيجهله ، ويريد أن يذكر الشيء فينساه ، ويريد أن ينسى الشيء ويغفل عنه فلا يغفل عنه ، ويريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمه فيجول في أودية الوساوس والأفكار بالاضطرار ، فلا يملك قلبه قلبه ، ولا نفسه نفسه ، ويشتهي الشيء وربما يكون هلاكه فيه ، ويكره الشيء وربما تكون حياته فيه . يستلذ الأطعمة وتهلكه وترديه ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه ، ولا يأمن في لحظة من ليله أو نهاره أن يسلب سمعه وبصره ، وتفلج أعضاؤه ويختلس عقله ، ويختطف روحه ، ويسلب جميع ما يهواه في دنياه . فهو مضطر ذليل ، إن ترك بقي ، وإن اختطف فنى . عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ، ولا شيء من غيره .
فأي شيء أذل منه . لو عرف نفسه وأنى يليق الكبر به لولا جهله . فهذا أوسط أحواله فليتأمله
هامش
« 1 » البلد : 8 ، 9 ، 10
« 2 » القيامة : 37 ، 38 ، 39
« 3 » القيامة : 37 ، 38 ، 39