تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
* ( قُتِلَ الإِنْسانُ ما أَكْفَرَه ُ من أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَه ُ من نُطْفَةٍ خَلَقَه ُ فَقَدَّرَه ُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه ُ . ثُمَّ أَماتَه ُ فَأَقْبَرَه ُ . ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَه ُ ) * « 1 » فقد أشارت الآية إلى أوّل خلق الإنسان ، وإلى آخر أمره ، وإلى وسطه . فلينظر الإنسان ذلك ليفهم معنى هذه الآية . أما أوّل الإنسان فهو أنه لم يكن شيئا مذكورا ، وقد كان في حيز العدم دهورا ، بل لم يكن لعدمه أوّل . وأي شيء أخس وأقل من المحو والعدم ؟ وقد كان كذلك في القدم . ثم خلقه الله من أرذل الأشياء ، ثم من أقذرها . إذ قد خلقه من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، ثم جعله عظما ، ثم كسا العظم لحما . فقد كان هذا بداية وجوده حيث كان شيئا مذكورا . فما صار شيئا مذكورا إلا وهو على أخس الأوصاف والنعوت ، إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا ، بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يحس ، ولا يتحرك ولا ينطق ولا يبطش ، ولا يدرك ولا يعلم . فبدأ بموته قبل حياته ، وبضعفه قبل قوّته ، وبجهله قبل علمه ، وبعماه قبل بصره ، وبصممه قبل سمعه ، وببكمه قبل نطقه ، وبضلالته قبل هداه ، وبفقره قبل غناه ، وبعجزه قبل قدرته ، فهذا معنى قوله * ( من أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَه ُ من نُطْفَةٍ خَلَقَه ُ فَقَدَّرَه ُ ) * « 2 » . ومعنى قوله * ( هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً . إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ من نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيه ِ ) * « 3 » كذلك خلقه أوّلا . ثم امتنّ عليه فقال * ( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه ُ ) * « 4 » وهذا إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت . وكذلك قال * ( من نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيه ِ فَجَعَلْناه ُ سَمِيعاً بَصِيراً . إِنَّا هَدَيْناه ُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُوراً ) * « 5 » ومعناه أنه أحياه بعد أن كان جماداً ميتا ، ترابا أولا ، ونطفة ثانيا ، وأسمعه بعد ما كان أصم ، وبصّره بعد ما كان فاقدا للبصر ، وقوّاه بعد الضعف ، وعلمه بعد الجهل ، وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها ، وأغناه بعد الفقر ، وأشبعه بعد الجوع وكساه بعد العرى ، وهداه بعد الضلال . فانظر كيف دبره وصوره ، وإلى السبيل كيف يسره وإلى طغيان الإنسان ما أكفره ، وإلى جهل الإنسان كيف أظهره فقال * ( أَولَمْ يَرَ الإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناه ُ من نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) * « 6 » * ( ومن آياتِه ِ أَنْ خَلَقَكُمْ من تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) * « 7 » . فانظر إلى نعمة الله عليه ، كيف نقله من تلك الذلة . والقلة والخسة ، والقذارة ، إلى هذه الرفعة والكرامة ، فصار موجودا بعد العدم ، وحيا بعد العجز
هامش
« 1 » عبس : من 17 إلى 22 « 2 » عبس : من 17 إلى 22 « 3 » الدهر : 1 ، 2 ، 3 « 4 » عبس : من 17 إلى 22 « 5 » الدهر : 1 ، 2 ، 3 « 6 » يس : 77 « 7 » الروم : 20