قال الراوي : فقلت يا أبا الدرداء ، ما سمعت بصفة أشد علىّ من تلك الصفة ، وكيف لي أن أبلغها ؟
فقال ما بينك وبين أن تكون في أوسعها إلا أن تكون تبغض الدنيا . فإنك إذا أبغضت الدنيا أقبلت على حب الآخرة . وبقدر حبك للآخرة تزهد في الدنيا . وبقدر ذلك تبصر ما ينفعك وإذا علم الله من عبد حسن الطلب أفرغ عليه السداد ، واكتنفه بالعصمة . واعلم يا ابن أخي أن ذلك في كتاب الله تعالى المنزل * ( إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) * « 1 » قال يحيى بن كثير . فنظرنا في ذلك ، فما تلذذ المتلذذون بمثل حب الله وطلب مرضاته .
اللهم اجعلنا من محب المحبين لك يا رب العالمين ، فإنه لا يصلح لحبك إلا من ارتضيته وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
بيان الطريق في معالجة الكبر واكتساب التواضع له
اعلم أن الكبر من المهلكات . ولا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه . وإزالته فرض عين .
ولا يزول بمجرد التمني ، بل بالمعالجة ، واستعمال الأدوية القامعة له . وفي معالجته مقامان أحدهما : استئصال أصله من سنخه ، وقلع شجرته من مغرسها في القلب الثاني : دفع العارض منه بالأسباب الخاصة التي بها يتكبر الإنسان على غيره
المقام الأول : في استئصال أصله .
وعلاجه علمىّ وعمليّ . ولا يتم الشفاء إلا بمجموعهما .
أما العلمي ، فهو أن يعرف نفسه ، ويعرف ربه تعالى . ويكفيه ذلك في إزالة الكبر . فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة ، علم أنه أذل من كل ذليل ، وأقل من كل قليل . وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة والمهانة . وإذا عرف ربه ، علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا باللَّه أما معرفته به وعظمته ومجده ، فالقول فيه يطول ، وهو منتهى علم المكاشفة وأما معرفته نفسه ، فهو أيضا يطول ، ولكنا بذكر من ذلك ما ينفع في إثارة التواضع والمذلة . ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة في كتاب الله . فإن في القرءان علم الأولين والآخرين لمن فتحت بصيرته . وقد قال تعالى
هامش
« 1 » النحل : 128