الأرض وثمارها ورغد عيشها من مشارق الأرض ومغاربها لفعل . وربما بكيت رحمة له مما أوتي من الجوع ، فأمسح بطنه بيدي ، وأقول نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك ويمنعك من الجوع ؟ فيقول يا عائشة ، إخواني من أولى العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا ، فمضوا على حالهم ، وقدموا على ربهم ، فأكرم مآبهم ، وأجزل ثوابهم . فأجدني استحيي إن ترفهت في معيشتى ، أن يقصر بي دونهم ، فأصبر أياما يسيرة أحب إلى من أن ينقص حظى غدا في الآخرة ، وما من شيء أحب إلى من اللحوق بإخوانى وأخلائى . قالت عائشة رضي الله عنها . فوالله ما استكمل بعد ذلك جمعة حتى قبضه الله عز وجل فما نقل من أحواله صلَّى الله عليه وسلم يجمع جملة أخلاق المتواضعين . فمن يطلب التواضع فليقتد به . ومن رأى نفسه فوقه محله صلَّى الله عليه وسلم ، ولم يرض لنفسه بما رضي هو به فما أشد جهله . فلقد كان أعظم خلق الله منصبا في الدنيا والدين ، فلا عز ولا رفعة إلا في الاقتداء به . ولذلك قال عمر رضي الله عنه : إنا قوم أعزنا الله بالإسلام ، فلن نطلب العز في غيره ، لما عوتب في بذاذة هيئته عند دخوله الشام . وقال أبو الدرداء : اعلم أن لله عبادا يقال لهم الأبدال ، خلف من الأنبياء ، هم أوتاد الأرض . فلما انقضت النبوة . أبدل الله مكانهم قوما من أمة محمد صلَّى الله عليه وسلم ، لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولا حسن حلية ، ولكن بصدق الورع ، وحسن النية ، وسلامة الصدر لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله ، بصبر من غير تجبن ، وتواضع في غير مذلة . وهم قوم اصطفاهم الله واستخلصهم لنفسه ، وهم أربعون صديقا ، أو ثلاثون رجلا ، قلوبهم على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن عليه السّلام . لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه واعلم يا أخي أنهم لا يلعنون شيئا ، ولا يؤذونه ، ولا يحقرونه ، ولا يتطاولون عليه ، ولا يحسدون أحدا ، ولا يحرصون على الدنيا ، هم أطيب الناس خيرا ، وألينهم عريكة ، وأسخاهم نفسا . علامتهم السخاء ، وسجيتهم البشاشة ، وصفتهم السلامة . ليسوا اليوم في خشية ، وغد في غفلة . ولكن مداومين على حالهم الظاهر ، وهم فيما بينهم وبين ربهم لا تدركهم الرياح العواصف ، ولا الخيل المجراة . قلوبهم تصعد ارتياحا إلى الله ، واشتياقا إليه وقدما في استباق الخيرات . أولئك حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون .
إحياء علوم الدين — صفحة 40
مساهمون: الغزالي
ص٤٠