ليرد عليه ، ويسوء إذا أصاب وأحسن خيفة من أن يرى أنه أعظم منه فهذا كله أخلاق الكبر وآثاره التي يثمرها التعزز بالعلم والعمل . وأين من يخلو عن جميع ذلك أو عن بعضه ؟ فليت شعري من الذي عرف هذه الأخلاق من نفسه ، وسمع قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر » كيف يستعظم نفسه ، ويتكبر على غيره ، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلم يقول إنه من أهل النار . وإنما العظيم من خلا عن هذا . ومن خلا عنه لم يكن فيه تعظم وتكبر . والعالم هو الذي فهم أن الله تعالى قال له إن لك عندنا قدرا ما لم تر لنفسك قدرا فإن رأيت لها قدرا فلا قدر لك عندنا . ومن لم يعلم هذا من الدين فاسم العالم عليه كذب .
ومن علمه لزمه أن لا يتكبر ولا يرى لنفسه قدرا . فهذا هو التكبر بالعلم والعمل
الثالث : التكبر بالحسب والنسب .
فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب ، وإن كان أرفع منه عملا وعلما وقد يتكبر بعضهم فيرى أن الناس له أموال وعبيد ، ويأنف من مخالطتهم ومجالستهم . وثمرته على اللسان التفاخر به ، فيقول لغيره يا نبطي ، ويا هندى ، ويا أرمنى ، من أنت ؟ ومن أبوك فأنا فلان بن فلان ، وأين لمثلك أن يكلمني أو ينظر إلىّ ! ومع مثلي تتكلم ! وما يجرى مجراه . وذلك عرق دفين في النفس ، لا ينفك عنه نسيب ، وإن كان صالحا وعاقلا ، إلا أنه قد لا يترشح منه ذلك عند اعتدال الأحوال ، فإن غلبه غضب أطفأ ذلك نور بصيرته ، وترشح منه ، كما روى عن أبي ذر أنه قال : قاولت رجلا عند النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] فقلت له يا ابن السوداء . فقال النبي صلَّى الله عليه وسلم « يا أبا ذرّ طفّ الصّاع طفّ الصّاع ليس لابن البيضاء على ابن السّوداء فضل » فقال أبو ذر رحمه الله : فاضطجعت وقلت للرجل قم فطأ على خدي ، فانظر كيف نبهه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أنه رأى لنفسه فضلا بكونه ابن بيضاء ، وأن ذلك خطأ وجهل . وانظر كيف تاب وقلع من نفسه شجرة الكبر بأخمص قدم من تكبر عليه ، إذ عرف أن العز لا يقمعه إلا الذل . ومن ذلك ما روى أن رجلين تفاخرا
شرح
[ 1 ] حديث لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر : تقدم
[ 2 ] حديث أبي ذر قاولت رجلا عند النبي صلَّى الله عليه وسلم فقلت له يا ابن السوداء - الحديث : ابن المبارك في البر والصلة مع اختلاف ولأحمد من حديثه ان النبي صلَّى الله عليه وسلم قال له انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود الا أن تفضله بتقوى