وأما الأكياس من العباد ، فيقولون ما كان يقوله عطاء السلمي حين كان تهب ريح أو تقع صاعقة : ما يصيب الناس ما يصيبهم إلا بسببي ، ولو مات عطاء لتخلصوا . وما قاله الآخر بعد انصرافه من عرفات : كنت أرجو الرحمة لجميعهم لولا كونى فيهم . فانظر إلى الفرق بين الرجلين ، هذا يتقى الله ظاهرا وباطنا ، وهو وجل على نفسه ، مزدر لعلمه وسعيه ، وذاك ربما يضمر من الرياء ، والكبر ، والحسد ، والغل ، ما هو ضحكة للشيطان به ، ثم إنه يمتن على الله بعمله ومن اعتقد جزما أنه فوق أحد من عباد الله . فقد أحبط بجهله جميع عمله . فإن الجهل أفحش المعاصي وأعظم شيء يبعد العبد عن الله ، وحكمه لنفسه بأنه خير من غيره جهل محض ، وأمن من مكر الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون . ولذلك روى أن رجلا ذكر بخير للنبي صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] فأقبل ذات يوم ، فقالوا يا رسول الله هذا الذي ذكرناه لك . فقال « إنّى أرى في وجهه سفعة من الشّيطان » فسلم ووقف على النبي صلَّى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلَّى الله عليه وسلم « أسألك باللَّه حدّثتك نفسك أن ليس في القوم أفضل منك ؟ » قال اللهم نعم .
فرأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم بنور النبوّة ما استكن في قلبه سفعة في وجهه . وهذه آفة لا ينفك عنها أحد من العباد إلا من عصمه الله . لكن
العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث درجات
الدرجة الأولى : أن يكون الكبر مستقرا في قلبه ، يرى نفسه خيرا من غيره ، إلا أنه يجتهد ويتواضع ، ويفعل فعل من يرى غيره خيرا من نفسه . وهذا قد رسخ في قلبه شجرة الكبر ولكنه قطع أغصانها بالكلية .
الثانية : أن يظهر ذلك على أفعاله ، بالترفع في المجالس ، والتقدم على الأقران ، وإظهار الإنكار على من يقصر في حقه . وأدنى ذلك في العالم أن يصعر خده للناس كأنه معرض عنهم وفي العابد أن يعبس وجهه ، ويقطب جبينه ، كأنه متنزه عن الناس ، مستقذر لهم ، أو غضبان عليهم . وليس يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى تقطب ، ولا في الوجه حتى يعبس ، ولا في الخد حتى يصعر ، ولا في الرقبة حتى تطأطأ ، ولا في الذيل حتى يضم ، إنما الورع في القلوب .
قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « التّقوى هاهنا » وأشار إلى صدره . فقد كان رسول الله
شرح
[ 1 ] حديث ان رجلا ذكر بخير للنبي صلَّى الله عليه وسلم فأقبل ذات يوم فقالوا يا رسول الله هذا الذي ذكرناه لك فقال إني أرى في وجهه سفعة من الشيطان - الحديث : أحمد والبزار والدارقطني من حديث أنس
[ 2 ] حديث التقوى هاهنا وأشار إلى صدره : مسلم من حديث أبي هريرة وقد تقدم