تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
لصلاحه ، أن ينقلهم الله إلى درجته في العمل ، وما أجدره إذا ازدراهم بعينه ، أن ينقله الله إلى حد الإهمال ، كما روي أن رجلا في بني إسرائيل كان يقال له خليع بني إسرائيل ، لكثرة فساده مرّ برجل آخر يقال له عابد بني إسرائيل . وكان على رأس العابد غمامة تظله فلما مر الخليع به ، فقال الخليع في نفسه . أنا خليع بني إسرائيل ، وهذا عابد بني إسرائيل . فلو جلست إليه لعل الله يرحمني . فجلس إليه . فقال العابد . أنا عابد بني إسرائيل ، وهذا خليع بني إسرائيل ، فكيف يجلس إلىّ ! فأنف منه ، وقال له قم عنى فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان ، مرهما فليستأنفا العمل ، فقد غفرت للخليع ، وأحبطت عمل العابد . وفي رواية أخرى ، فتحولت الغمامة إلى رأس الخليع . وهذا يعرفك أن الله تعالى إنما يريد من العبيد قلوبهم ، فالجاهل العاصي إذا تواضع هيبة لله ، وذل خوفا منه ، فقد أطاع الله بقلبه ، فهو أطوع لله من العالم المتكبر ، والعابد المعجب . وكذلك روى أن رجلا في بني إسرائيل ، أتى عابدا من بني إسرائيل ، [ 1 ] فوطئ على رقبته وهو ساجد . فقال ارفع فوالله لا يغفر الله لك فأوحى الله إليه أيها المتألى علىّ ، بل أنت لا يغفر الله لك . وكذلك قال الحسن . وحتى أن صاحب الصوف أشد كبرا من صاحب المطرز الخز أي أن صاحب الخز يذل لصاحب الصوف ، ويرى الفضل له ، وصاحب الصوف يرى الفضل لنفسه . وهذه الآفة أيضا فلما ينفك عنها كثير من العباد وهو أنه لو استخف به مستخف ، أو آذاه مؤذ ، استبعد أن يغفر الله له . ولا يشك في أنه صار ممقوتا عند الله . ولو آذى مسلما آخر لم يستنكر ذلك الاستنكار . وذلك لعظم قدر نفسه عنده وهو جهل ، وجمع بين الكبر ، والعجب ، والاغترار باللَّه . وقد ينتهى الحمق والغباوة ببعضهم إلى أن يتحدى ويقول : سترون ما يجرى عليه . وإذا أصيب بنكبة زعم أن ذلك من كراماته وأن الله ما أراد به إلا شفاء غليله ، والانتقام له منه . مع أنه يرى طبقات من الكفار يسبون الله ورسوله ، وعرف جماعة آذوا الأنبياء صلوات الله عليهم ، فمنهم من قتلهم ، ومنهم من ضربهم ثم إن الله أمهل أكثرهم ولم يعاقبهم في الدنيا ، بل ربما أسلم بعضهم فلم يصبه مكروه في الدنيا ولا في الآخرة . ثم الجاهل المغرور يظن أنه أكرم على الله من أنبيائه ، وأنه قد انتقم له بما لا ينتقم لأنبيائه به ولعله في مقت الله بإعجابه وكبره وهو غافل عن هلاك نفسه فهذه عقيدة المغترين
شرح
[ 1 ] حديث الرجل من بني إسرائيل الذي وطئ على رقبة عابد من بني إسرائيل وهو ساجد فقال ارفع فوالله لا يغفر الله لك - الحديث : أبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة في قصة العابد الذي قال للعاصي والله لا يغفر الله لك أبدا وهو بغير هذه السياقة وإسناده حسن
إحياء علوم الدين — صفحة 28 | الغزالي