تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
فإنه إذا أعجب بنفسه ، وبعلمه ، وبعمله ، أو بشيء من أسبابه ، استعظم نفسه وتكبر . وأما الكبر الظاهر ، فأسبابه ثلاثة . سبب في المتكبر ، وسبب في المتكبر عليه ، وسبب فيما يتعلق بغيرهما . أما السبب الذي في المتكبر ، فهو العجب . والذي يتعلق بالمتكبر عليه ، هو الحقد والحسد . والذي يتعلق بغيرهما ، هو الرياء . فتصير الأسباب بهذا الاعتبار أربعة : العجب ، والحقد ، والحسد ، والرياء . أما العجب ، فقد ذكرنا أنه يورث الكبر الباطن ، والكبر الباطن يثمر التكبر الظاهر في الأعمال ، والأقوال والأحوال . وأما الحقد ، فإنه يحمل على التكبر من غير عجب ، كالذي يتكبر على من يرى أنه مثله أو فوته ، ولكن قد غضب عليه بسبب سبق منه ، فأورثه الغضب حقدا ، ورسخ في قلبه بغضه . فهو لذلك لا تطاوعه نفسه أن يتواضع له ، وإن كان عنده مستحقا للتواضع . فكم من رذل لا تطاوعه نفسه على التواضع لواحد من الأكابر لحقده عليه ، أو بغضه له . ويحمله ذلك على ردّ الحق إذا جاء من جهته ، وعلى الأنفة من قبول نصحه . وعلى أن يجتهد في التقدم عليه وإن علم أنه لا يستحق ذلك ، وعلى أن لا يستحله وإن ظلمه . فلا يعتذر إليه وإن جنى عليه ، ولا يسأله عما هو جاهل به . وأما الحسد فإنه أيضا يوجب البغض للمحسود ، وإن لم يكن من جهته إيذاء وسبب يقتضي الغضب والحقد . ويدعو الحسد أيضا إلى جحد الحق ، حتى يمنع من قبول النصيحة وتعلم العلم . فكم من جاهل يشتاق إلى العلم ، وقد بقي في رذيلة الجهل لاستنكافه أن يستفيد من واحد من أهل بلده أو أقاربه ، حسدا وبغيا عليه ، فهو يعرض عنه ، ويتكبر عليه ، مع معرفته بأنه يستحق التواضع بفضل علمه . ولكن الحسد يبعثه على أن يعامله بأخلاق المتكبرين ، وإن كان في باطنه ليس يرى نفسه فوقه وأما الرياء فهو أيضا يدعو إلى أخلاق المتكبرين ، حتى أن الرجل ليناظر من يعلم أنه أفضل منه ، وليس بينه وبينه معرفة ، ولا محاسدة ، ولا حقد ، ولكن يمتنع من قبول الحق منه ، ولا يتواضع له في الاستفادة ، خيفة من أن يقول الناس إنه أفضل منه . فيكون باعثه على التكبر عليه الرياء المجرد ولو خلا معه بنفسه لكان لا يتكبر عليه . وأما الذي يتكبر بالعجب ، أو الحسد ، أو الحقد ، فإنه يتكبر أيضا عند الخلوة به مهما لم يكن معهما ثالث . وكذلك قد ينتمي إلى نسب شريف كاذبا ، وهو يعلم أنه كاذب . ثم يتكبر به على من ليس ينتسب إلى ذلك النسب ، ويترفع عليه في المجالس ، ويتقدم عليه في الطريق ، ولا يرضى بمساواته في الكرامة والتوقير ، وهو عالم
إحياء علوم الدين — صفحة 34 | الغزالي