صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] أكرم الخلق وأتقاهم ، وكان أوسعهم خلقا وأكثرهم بشرا وتبسما وانبساطا ولذلك قال الحارث بن جزء الزبيدي صاحب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم : يعجبني من القراء كل طليق مضحاك . فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس ، يمن عليك بعلمه ، فلا أكثر الله في المسلمين مثله ، ولو كان الله سبحانه وتعالى يرضى ذلك لما قال لنبيه صلَّى الله عليه وسلم * ( واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ من الْمُؤْمِنِينَ ) * « 1 » وهؤلاء الذين يظهر أثر الكبر على شمائلهم ، فأحوالهم أخف حالا ممن هو في
الرتبة الثالثة ، وهو الذي يظهر الكبر على لسانه ، حتى يدعوه إلى الدعوى ، والمفاخرة ، والمباهاة وتزكية النفس ، وحكايات الأحوال والمقامات ، والتشمر لغلبة الغير في العلم والعمل أما العابد فإنه يقول في معرض التفاخر لغيره من العباد : من هو ؟ وما عمله ؟ ومن أين زهده ؟ فيطول اللسان فيهم بالتنقص ، ثم يثنى على نفسه ويقول : إني لم أفطر منذ كذا وكذا ولا أنام الليل ، وأختم القرءان في كل يوم . وفلان ينام سحرا ، ولا يكثر القراءة . وما يجرى مجراه . وقد يزكى نفسه ضمنا فيقول . قصدني فلان بسوء فهلك ولده ، وأخذ ماله ، أو مرض أو ما يجرى مجراه ، يدعى الكرامة لنفسه . وأما مباهاته ، فهو أنه لو وقع مع قوم يصلون بالليل ، قام وصلَّى أكثر مما كان يصلَّى . وإن كانوا يصبرون على الجوع ، فيكلف نفسه الصبر ليغلبهم ، ويظهر لهم قوته وعجزهم . وكذلك يشتد في العبادة خوفا من أن يقال غيره أعبد منه ، أو أقوى منه في دين الله . وأما العالم فإنه يتفاخر ويقول . أنا متفنن في العلوم ، ومطلع على الحقائق ، ورأيت من الشيوخ فلانا وفلانا . ومن أنت ؟ وما فضلك ومن لقيت ؟ وما الذي سمعت من الحديث ؟ كل ذلك ليصغره ويعظم نفسه . وأما مباهاته فهو أنه يجتهد في المناظرة أن يغلب ولا يغلب . ويسهر طول الليل والنهار في تحصيل علوم يتجمل بها في المحافل ، كالمناظرة ، والجدل وتحسين العبارة ، وتسجيع الألفاظ . وحفظ العلوم الغريبة ليغرب بها على الأقران ، ويتعظم عليهم . ويحفظ الأحاديث ألفاظها وأسانيدها حتى يرد على من أخطأ فيها ، فيظهر فضله ونقصان أقرانه ، ويفرح مهما أخطأ واحد منهم
شرح
[ 1 ] حديث كان أكرم الخلق وأتقاهم - الحديث : تقدم في كتاب أخلاق النبوة
هامش
« 1 » الشعراء : 215