تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
فكيف يسلم الضعفاء من متأخري هذه الأمة . فما أعز على بسيط الأرض عالما يستحق أن يقال له عالم . ثم إنه لا يحركه عز العلم وخيلاؤه فإن وجد ذلك فهو صدّيق زمانه ، فلا ينبغي أن يفارق بل يكون النظر إليه عبادة ، فضلا عن الاستفادة من أنفاسه وأحواله لو عرفنا ذلك ولو في أقصى الصين لسعينا إليه ، رجاء أن تشملنا بركته ، وتسرى إلينا سيرته وسجيته وهيهات ، فأنى يسمح آخر الزمان بمثلهم ، فهم أرباب الإقبال وأصحاب الدول ، قد انقرضوا في القرن الأول ومن يليهم . بل يعز في زماننا عالم يختلج في نفسه الأسف والحزن على فوات هذه الخصلة ، فذلك أيضا إما معدوم وإما عزيز . ولولا بشارة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم بقوله [ 1 ] « سيأتي على النّاس زمان من تمسّك فيه بعشر ما أنتم عليه نجا » لكان جديرا بنا أن نقتحم . والعياذ باللَّه تعالى . ورطة اليأس والقنوط ، مع ما نحن عليه من سوء أعمالنا . ومن لنا أيضا بالتمسك بعشر ما كانوا عليه ؟ وليتنا تمسكنا بعشر عشره ، فنسأل الله تعالى أن يعاملنا بما هو أهله ويستر علينا قبائح أعمالنا كما يقتضيه كرمه وفضله الثاني : العمل والعبادة . وليس يخلو عن رذيلة العز ، والكبر ، واستمالة قلوب الناس الزهاد والعبّاد . ويترشح الكبر منهم في الدين والدنيا . أما في الدنيا . فهو أنهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى منهم بزيارة غيرهم ويتوقعون قيام الناس بقضاء حوائجهم ، وتوقيرهم ، والتوسع لهم في المجالس ، وذكرهم بالورع والتقوى ، وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ ، إلى جميع ما ذكرناه في حق العلماء . وكأنهم يرون عبادتهم منة على الخلق . وأما في الدين ، فهو أن يرى الناس هالكين ، ويرى نفسه ناجيا وهو الهالك تحقيقا مهما رأى ذلك . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « إذا سمعتم الرّجل يقول هلك النّاس فهو أهلكهم » وإنما قال ذلك لأن هذا القول منه يدل على أنه مزدر بخلق الله ، مغتر باللَّه ، آمن من مكره ، غير خائف من سطوته . وكيف لا يخاف ويكفيه شرا احتقاره لغيره . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « كفى بالمرء شرّا أن يحقر أخاه المسلم » وكم من الفرق بينه وبين من يحبه لله ، ويعظمه لعبادته ويستعظمه ، ويرجو له ما لا يرجوه لنفسه فالخلق يدركون النجاة بتعظيمهم إياه لله . فهم يقربون إلى الله تعالى بالدنو منه ، وهو يتمقت إلى الله بالتنزه والتباعد منهم ، كأنه مترفع عن مجالستهم . فما أجدرهم إذا أحبوه
شرح
[ 1 ] حديث سيأتي على الناس زمان من تمسك بعشر ما أنتم عليه نجا : أحمد من رواية رجل عن أبي ذر [ 2 ] حديث إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم : مسلم من حديث أبي هريرة [ 3 ] حديث كفى بالمرء شرا أن يحقر أخاه المسلم : مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ امرؤ من الشر