تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
كعلم الطلب ، والحساب ، واللغة ، والشعر ، والنحو ، وفصل الخصومات ، وطرق المجادلات فإذا تجرد الإنسان لها حتى امتلأ منها ، امتلأ بها كبرا ونفاقا . وهذه بأن تسمى صناعات أولى من أن تسمى علوما . بل العلم هو معرفة العبودية ، والربوبية ، وطريق العبادة وهذه تورث التواضع غالبا السبب الثاني : أن يخوض العبد في العلم وهو خبيث الدخلة ، رديء النفس ، سئ الأخلاق . فإنه لم يشتغل أو لا بتهذيب نفسه ، وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات ، ولم يرض نفسه في عبادة ربه ، فبقي خبيث الجوهر . فإذا خاض في العلم أي علم كان ، صادف العلم من قلبه منزلا خبيثا . فلم يطلب ثمره ولم يظهر في الخير أثره . وقد ضرب وهب لهذا مثلا فقال . العلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا ، فتشربه الأشجار بعروقها ، فتحوله على قدر طعومها . فيزداد المر مرارة ، والحلو حلاوة . فكذلك العلم يحفظه الرجال ، فتحوله على قدر هممها وأ هوائها ، فيزيد المتكبر كبرا ، والمتواضع تواضعا . وهذا لأن من كانت همته الكبر وهو جاهل ، فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به ؟ فازداد كبرا . وإذا كان الرجل خائفا مع جهله ، فازداد علما ، علم أن الحجة قد تأكدت عليه ، فيزداد خوفا وإشفاقا ، وذلا وتواضعا . فالعلم من أعظم ما يتكبر به . ولذلك قال تعالى لنبيه عليه السّلام * ( واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ من الْمُؤْمِنِينَ ) * « 1 » وقال عز وجل * ( ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا من حَوْلِكَ ) * « 2 » ووصف أولياءه فقال * ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ) * « 3 » وكذلك قال صلَّى الله عليه وسلم . فيما رواه العباس رضي الله عنه [ 1 ] « يكون قوم يقرؤن القرءان لا يجاوز حناجرهم يقولون قد قرأنا القرءان فمن أقرأ منّا ومن أعلم منّا » ثم التفت إلى أصحابه وقال « أولئك منكم أيّها الأمّة أولئك هم وقود النّار » . ولذلك قال عمر رضي الله عنه . لا تكونوا جبابرة العلماء . فلا يفي علمكم بجهلكم ولذلك استأذن تميم الداري عمر رضي الله عنه في القصص ، فأبى أن يأذن له ، وقال له : إنه الذبح . واستأذنه رجل كان إمام قوم أنه إذا سلم من صلاته ذكرهم ، فقال . إني أخاف أن تنتفخ حتى تبلغ الثريا . وصلَّى حذيفة بقوم ، فلما سلم من صلاته قال . لتلتمسن إماما غيري ، أو لتصلن وحدانا ، فإني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل منى . فإذا كان مثل حذيفة لا يسلم
شرح
[ 1 ] حديث العبّاس يكون قوم يقرؤن القرءان لا يجاوز حناجرهم يقولون قد قرأنا القرءان فمن أقرأ منا - الحديث : ابن المبارك في الزهد والرقائق
هامش
« 1 » الشعراء : 215 « 2 » آل عمران : 159 . « 3 » المائدة : 54
إحياء علوم الدين — صفحة 26 | الغزالي