تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
وجماع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي . فالدينى هو العلم والعمل . والدنيوي هو النسب ، والجمال ، والقوة ، والمال ، وكثرة الأنصار . فهذه سبعة أسباب الأول : العلم . وما أسرع الكبر إلى العلماء . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « آفة العلم الخيلاء » فلا يلبث العالم أن يتعزز بعزة العلم ، ويستشعر في نفسه جمال العلم وكماله ، ويستعظم نفسه ، ويستحقر الناس ، وينظر إليهم نظره إلى البهائم ، ويستجهلهم ، ويتوقع أن يبدؤه بالسلام . فإن بدأ واحدا منهم بالسلام ، أورد عليه ببشر ، أو قام له ، أو أجاب له دعوة ، رأى ذلك صنيعة عنده ، ويدا عليه يلزمه شكرها واعتقد أنه أكرمهم ، وفعل بهم ما لا يستحقون من مثله ، وأنه ينبغي أن يرقوا له ويخدموه ، شكرا له على صنيعه . بل الغالب أنهم يبرونه فلا يبرهم ، ويزورونه فلا يزورهم . ويعودونه فلا يعودهم ، ويستخدم من خالطه منهم ويستسخره في حوائجه ، فإن قصر فيه استنكره ، كأنهم عبيده أو أجراؤه ، وكأن تعليمه العلم صنيعة منه إليهم ، ومعروف لديهم ، واستحقاق حق عليهم . هذا فيما يتعلق بالدنيا . أما في أمر الآخرة ، فتكبره عليهم بأن يرى نفسه عند الله تعالى أعلى وأفضل منهم ، فيخاف عليهم أكثر مما يخاف على نفسه ، ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم . وهذا بأن يسمى جاهلا أولى من أن يسمى عالما . بل العلم الحقيقي هو الذي يعرف الإنسان به نفسه وربه ، وخطر الخاتمة ، وحجة الله على العلماء وعظم خطر العلم فيه ، كما سيأتي في طريق معالجة الكبر بالعلم . وهذا العلم يزيد خوفا ، وتواضعا ، وتخشعا ، ويقتضي أن يرى كل الناس خيرا منه ، لعظم حجة الله عليه بالعلم ، وتقصيره في القيام بشكر نعمة العلم ، ولهذا قال أبو الدرداء : من ازداد علما ازداد وجعا . وهو كما قال فإن قلت فما بال بعض الناس يزداد بالعلم كبرا وأمنا ، فاعلم أن لذلك سببين : أحدهما : أن يكون اشتغاله بما يسمى علما ، وليس علما حقيقيا . وإنما العلم الحقيقي ما يعرف به العبد ربه ونفسه ، وخطر أمره في لقاء الله والحجاب منه . وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر ، والأمن . قال الله تعالى * ( إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِه ِ الْعُلَماءُ ) * « 1 » فأما وراء ذلك
شرح
[ 1 ] حديث آفة العلم الخيلاء : قلت هكذا ذكره المصنف والمعروف آفة العلم النسيان وآفة الجمال الخيلاء هكذا رواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث على بسند ضعيف وروى عنه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس آفة الجمال الخيلاء وفيه الحسن بن عبد الحميد الكوفي لا يدرى من هو حدث عن أبيه بحديث موضوع قاله صاحب الميزان
هامش
« 1 » فاطر : 28