تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
عرض على السماوات ، والأرض ، والجبال ، فأبين أن يحملنه وأشفقن منه ، فإدراك ما يخرج عن عالم الحواس الخمس ، لا يصادف إلا في عالم ذلك السر الذي فارقت به الحمار وسائر البهائم . فمن ذهل عن ذلك ، وعطله وأهمله ، وقنع بدرجة البهائم ، ولم يجاوز المحسوسات فهو الذي أهلك نفسه بتعطيلها ، ونسيها بالإعراض عنها ، فلا تكونوا كالذين نسوا الله ، فأنساهم أنفسهم : فكل من لم يعرف إلا المدرك بالحواس فقد نسي الله إذ ليس ذات الله مدركا في هذا العالم بالحواس الخمس . وكل من نسي الله أنساه الله لا محالة نفسه ، ونزل إلى رتبة البهائم ، وترك الترقي إلا الأفق لأعلى ، وخان في الأمانة التي أودعه الله تعالى وأنعم عليه كافرا لأنعمه ومتعرضا لنقمته . إلا أنه أسوأ حالا من البهيمة ، فإن البهيمة تتخلص بالموت وأما هذا فعنده أمانة سترجع لا محالة إلى مودعها ، فإليه مرجع الأمانة ومصيرها : وتلك الأمانة كالشمس الزاهرة ، وإنما هبطت إلى هذا القالب الفاني وغربت فيه ، وستطلع هذه الشمس عند خراب هذا القالب من مغربها ، وتعود إلى بارئها وخالقها ، إما مظلمة منكسفة وإما زاهرة مشرقة . والزاهرة المشرقة غير محجوبة عن حضرة الربوبية ، والمظلمة أيضا راجعة إلى الحضرة ، إذ المرجع والمصير للكل إليه ، إلا أنها ناكسة رأسها عن جهة أعلى عليين إلى جهة أسفل سافلين . ولذلك قال تعالى * ( ولَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * « 1 » فبين أنهم عند ربهم إلا أنهم منكوسون ، قد انقلبت وجوههم إلى أقفيتهم وانتكست رؤسهم عن جهة فوق إلى جهة أسفل ، وذلك حكم الله فيمن حرمه توفيقه ، ولم يهده طريقه ، فنعوذ باللَّه من الضلال ، والنزول إلى منازل الجهال فهذا حكم انقسام من يخرج من النار ، ويعطى مثل عشرة أمثال الدنيا أو أكثر . ولا يخرج من النار إلا موحد . ولست أعنى بالتوحيد أن يقول بلسانه لا إله إلا الله ، فإن اللسان من عالم الملك والشهادة ، فلا ينفع إلا في عالم الملك ، فيدفع السيف عن رقبته ، وأيدي الغانمين عن ماله . ومدة الرقبة والمال مدة الحياة . فحيث لا تبقى رقبة ولا مال ، لا ينفع القول باللسان . وإنما ينفع الصدق في التوحيد . وكمال التوحيد أن لا يرى الأمور كلها إلا من الله وعلامته أن لا يغضب على أحد من الخلق بما يجرى عليه ، إذ لا يرى الوسائط ، وإنما يرى
هامش
« 1 » السجدة : 12
إحياء علوم الدين — صفحة 190 | الغزالي