تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
بحكم نص القرءان مكفر للصغائر . وأقل درجات التكفير أن يدفع العذاب إن لم يدفع الحساب . وكل من هذا حاله فقد ثقلت موازينه فينبغي أن يكون بعد ظهور الرجحان في الميزان ، وبعد الفراغ من الحساب ، في عيشة راضية . نعم : التحاقه بأصحاب اليمين ، أو بالمقربين ، ونزوله في جنات عدن ، أو في الفردوس الأعلى ، فكذلك يتبع أصناف الإيمان ، لأن الإيمان إيمانان : تقليدي كإيمان العوام ، يصدقون بما يستمعون ويستمرون عليه ، وإيمان كشفى يحصل بانشراح الصدر بنور الله ، حتى ينكشف فيه الوجود كله على ما هو عليه فيتضح أن الكل إلى الله مرجعه ومصيره ، إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وصفاته وأفعاله . فهذا الصنف هم المقربون النازلون في الفردوس الأعلى ، وهم على غاية القرب من الملإ الأعلى ، وهم أيضا على أصناف : فمنهم السابقون ، ومنهم من دونهم . وتفاوتهم بحسب تفاوت معرفتهم باللَّه تعالى : ودرجات العارفين في المعرفة باللَّه تعالى لا تنحصر ، إذ الإحاطة بكنه جلال الله غير ممكنة ، وبحر المعرفة ليس له ساحل وعمق ، وإنما يغوص فيه الغواصون بقدر قواهم ، وبقدر ما سبق لهم من الله تعالى في الأزل . فالطريق إلى الله تعالى لا نهاية لمنازله فالسالكون سبيل الله لا نهاية لدرجاتهم وأما المؤمن إيمانا تقليديا من أصحاب اليمين . ودرجته دون درجة المقربين . وهم أيضا على درجات : فالأعلى من درجات أصحاب اليمين تقارب رتبته رتبة الأدنى من درجات المقربين هذا حال من اجتنب كل الكبائر ، وأدى الفرائض كلها ، أعنى الأركان الخمسة ، التي هي النطق بكلمة الشهادة باللسان ، والصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج فأما من ارتكب كبيرة أو كبائر ، أو أهمل بعض أركان الإسلام . فإن تاب توبة نصوحا قبل قرب الأجل ، التحق بمن لم يرتكب . لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له والثوب المغسول كالذي لم يتوسخ أصلا وإن مات قبل التوبة ، فهذا أمر مخطر عند الموت ، إذ ربما يكون موته على الإصرار سببا لتزلزل إيمانه ، فيختم له بسوء الخاتمة ، لا سيما إذا كان إيمانه تقليديا ، فإن التقليد وإن كان جزما فهو قابل للانحلال بأدنى شك وخيال . والعارف البصير أبعد أن يخاف عليه سوء الخاتمة . وكلاهما إن ماتا على الإيمان يعذبان ، إلا أن يعفو الله ، عذابا يزيد على عذاب المناقشة