تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
لهما أسباب خفية ، ليس في قوّة البشر الاطلاع عليها . يعبر عن ذلك السبب الخفي المفضى إلى النجاة بالعفو والرضا ، وعما يفضي إلى الهلاك بالغضب والانتقام . ووراء ذلك سر المشيئة الإلهية الأزلية ، التي لا يطلع الخلق عليها . فلذلك يجب علينا أن نجوّز العفو عن العاصي وإن كثرت سيئاته الظاهرة ، والغضب على المطيع وإن كثرت طاعاته الظاهرة . فإن الاعتماد على التقوى ، والتقوى في القلب ، وهو أغمض من أن يطلع عليه صاحبه ، فكيف غيره ! ولكن قد انكشف لأرباب القلوب أنه لا عفو عن عبد إلا بسبب خفى فيه يقتضي العفو ، ولا غضب إلا بسبب باطن يقتضي البعد عن الله تعالى . ولولا ذلك لم يكن العفو والغضب جزاء على الأعمال والأوصاف ، ولو لم يكن جزاء لم يكن عدلا ، ولو لم يكن عدلا لم يصح قوله تعالى * ( وما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) * « 1 » ولا قوله تعالى * ( إِنَّ الله لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) * « 2 » وكل ذلك صحيح ، فليس للإنسان إلا ما سعى وسعيه هو الذي يرى . وكل نفس بما كسبت رهينة . فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم . ولما غيروا ما بأنفسهم غير الله ما بهم ، تحقيقا لقوله تعالى * ( إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) * « 3 » وهذا كله قد انكشف لأرباب القلوب انكشافا أوضح من المشاهدة بالبصر إذ البصر يمكن الغلط فيه ، إذ قد يرى البعيد قريبا ، والكبير صغيرا . ومشاهدة القلب لا يمكن الغلط فيها ، وإنما الشأن في انفتاح بصيرة القلب ، وإلا فما يرى بها بعد الانفتاح فلا يتصوّر فيه الكذب ، وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) * « 4 » الرتبة الثالثة : رتبة الناجين . وأعنى بالنجاة السلامة فقط ، دون السعادة والفوز . وهم قوم لم يخدموا فيخلع عليهم ، ولم يقصروا فيعذبوا . ويشبه أن يكون هذا حال المجانين والصبيان من الكفار ، والمعتوهين ، والذين لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد ، وعاشوا على البله وعدم المعرفة ، فلم يكن لهم معرفة ، ولا جحود ، ولا طاعة ، ولا معصية ، فلا وسيلة تقربهم ، ولا جناية تبعدهم ، فما هم من أهل الجنة ولا من أهل النار ، بل ينزلون في منزلة بين المنزلتين ،
هامش
« 1 » فصلت : 46 « 2 » النساء : 40 « 3 » الرعد : 11 « 4 » النجم : 11