تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
في الحساب . وتكون كثرة العقاب من حيث المدة ، بحسب كثرة مدة الإصرار . ومن حيث الشدة ، بحسب قبح الكبائر ومن حيث اختلاف النوع ، بحسب اختلاف أصناف السيئات . وعند انقضاء مدة العذاب ، ينزل البله المقلدون في درجات أصحاب اليمين ، والعارفون المستبصرون في أعلى عليين . ففي الخبر [ 1 ] « آخر من يخرج من النّار يعطى مثل الدّنيا كلَّها عشرة أضعاف » فلا تظن أن المراد به تقديره بالمساحة لأطراف الأجسام كأن يقابل فرسخ بفرسخين ، أو عشرة بعشرين ، فإن هذا جهل بطريق ضرب الأمثال . بل هذا كقول القائل : أخذ منه جملا وأعطاه عشرة أمثاله ، وكان الجمل يساوى عشرة دنانير ، فأعطاه مائة دينار . فإن لم يفهم من المثل إلا المثل في الوزن والثقل ، فلا تكون مائة دينار لو وضعت في كفة الميزان ، والجمل في الكفة الأخرى ، عشر عشيره . بل هو موازنة معاني الأجسام وأرواحها ، دون أشخاصها وهياكلها ، فإن الجمل لا يقصد لثقله ، وطوله وعرضه ، ومساحته ، بل لماليته . فروحه المالية ، وجسمه اللحم والدم ، ومائة دينار عشرة أمثاله بالموازنة الروحانية ، لا بالموازنة الجسمانية . وهذا صادق عند من يعرف روح المالية من الذهب والفضة . بل لو أعطاه جوهرة وزنها مثقال ، وقيمتها مائة دينار ، وقال أعطيته عشرة أمثاله كان صادقا . ولكن لا يدرك صدقه إلا الجوهريون . فإن روح الجوهرية لا تدرك بمجرد البصر ، بل بفطنة أخرى وراء البصر . فلذلك يكذب به الصبي ، بل القروي والبدوي ، ويقول ما هذه الجوهرة إلا حجر وزنه مثقال ، ووزن الجمل ألف ألف مثقال ، فقد كذب في قوله إني أعطيته عشرة أمثاله . والكاذب بالتحقيق هو الصبي ولكن لا سبيل إلى تحقيق ذلك عنده إلا بأن ينتظر به البلوغ والكمال ، وأن يحصل في قلبه النور الذي يدرك به أرواح الجواهر وسائر الأموال ، فعند ذلك ينكشف له الصدق . والعارف عاجز عن تفهيم المقلد القاصر صدق رسول الله صلَّى الله عليه وسلم في هذه الموازنة إذ يقول صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « الجنّة في السّموات » كما ورد في الأخبار ، والسماوات من الدنيا ،
شرح
[ 1 ] حديث ان آخر من يخرج من النار يعطى مثل الدنيا كلها عشرة أضعاف : متفق عليه من حديث ابن مسعود [ 2 ] حديث كون الجنة في السماوات : خ من حديث أبي هريرة في أثناء حديث فيه فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن