تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
مسبب الأسباب كما سيأتي تحقيقه في التوكل . وهذا التوحيد متفاوت . فمن الناس من له من التوحيد مثل الجبال ، ومنهم من له مثقال ، ومنهم من له مقدار خردلة وذرة . فمن في قلبه مثقال دينار من إيمان ، فهو أول من يخرج من النار . وفي الخبر يقال [ 1 ] « أخرجوا من النّار من في قلبه مثقال دينار من إيمان » وآخر من يخرج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان . وما بين المثقال والذرة على قدر تفاوت درجاتهم يخرجون بين طبقة المثقال وبين طبقة الذرة . والموازنة بالمثقال والذرة على سبيل ضرب المثل ، كما ذكرنا في الموازنة بين أعيان الأموال وبين النقود . وأكثر ما يدخل الموحدين النار مظالم العباد . فديوان العباد هو الديوان الذي لا يترك . فأما بقية السيئات فيتسارع العفو والتكفير إليها . ففي الأثر أن العبد ليوقف بين يدي الله تعالى ، وله من الحسنات أمثال الجبال ، لو سلمت له لكان من أهل الجنة ، فيقوم أصحاب المظالم ، فيكون قد سب عرض هذا ، وأخذ مال هذا ، وضرب هذا فيقضى من حسناته حتى لا تبقى له حسنة ، فتقول الملائكة : يا ربنا هذا قد فنيت حسناته ، وبقي طالبون كثير . فيقول الله تعالى : ألقوا من سيئاتهم على سيئاته ، وصكوا له صكا إلى النار وكما يهلك هو بسيئة غيره بطريق القصاص ، فكذلك ينجو المظلوم بحسنة الظالم ، إذ ينقل إليه عوضا عما ظلم به . وقد حكى عن ابن الجلاء ، أن بعض إخوانه اغتابه ، ثم أرسل إليه يستحله ، فقال : لا أفعل ، ليس في صحيفتي حسنة أفضل منها ، فكيف أمحوها ؟ وقال هو وغيره : ذنوب إخواني من حسناتي ، أريد أن أزين بها صحيفتي فهذا ما أردنا أن نذكره من اختلاف العباد في المعاد في درجات السعادة والشقاوة وكل ذلك حكم بظاهر أسباب ، يضاهي حكم الطبيب على مريض بأنه يموت لا محالة ولا يقبل العلاج ، وعلى مريض آخر بأن عارضة خفيف وعلاجه هين . فإن ذلك ظن يصيب في أكثر الأحوال . ولكن قد تتوق إلى المشرف على الهلاك نفسه من حيث لا يشعر الطبيب ، وقد يساق إلى ذي العارض الخفيف أجله من حيث لا يطلع عليه . وذلك من أسرار الله تعالى الخفية في أرواح الأحياء ، وغموض الأسباب التي رتبها مسبب الأسباب بقدر معلوم . إذ ليس في قوة البشر الوقوف على كنهها ، فكذلك النجاة والفوز في الآخرة
شرح
[ 1 ] حديث أخرجوا من النّار من في قلبه مثقال دينار من ايمان - الحديث تقدم