الرتبة الثانية : رتبة المعذبين .
وهذه رتبة من تحلى بأصل الإيمان ، ولكن قصر في الوفاء بمقتضاه فإن رأس الإيمان هو التوحيد ، وهو أن لا يعبد إلا الله . ومن اتبع هواه فقد اتخذ إلهه هواه ، فهو موحد بلسانه لا بالحقيقة . بل معنى قولك لا إله إلا الله ، معنى قوله تعالى * ( قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) * « 1 » وهو أن تذر بالكلية غير الله ، ومعنى قوله تعالى * ( الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقامُوا ) * « 2 » ولما كان الصراط المستقيم الذي لا يكمل التوحيد إلا بالاستقامة عليه أدق من الشعر ، وأحد من السيف ، مثل الصراط الموصوف في الآخرة ، فلا ينفك بشر عن ميل عن الاستقامة ولو في أمر يسير ، إذ لا يخلو عن اتباع الهوى ولو في فعل قليل ، وذلك قادح في كمال التوحيد ، بقدر ميله عن الصراط المستقيم .
فذلك يقتضي لا محالة نقصانا في درجات القرب . ومع كل نقصان ناران : نار الفراق لذلك الكمال الفائت بالنقصان ، ونار جهنم كما وصفها القرءان . فيكون كل مائل عن الصراط المستقيم معذبا مرتين من وجهين ، ولكن شدة ذلك العذاب وخفته ، وتفاوته بحسب طول المدة ، إنما يكون بسبب أمرين : أحدهما قوة الإيمان وضعفه ، والثاني كثرة اتباع الهوى وقلته وإذ لا يخلو بشر في غالب الأمر عن واحد من الأمرين ، قال الله تعالى * ( وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ) * « 3 » ولذلك قال الخائفون من السلف . إنما خوفنا لأنا تيقنا أنا على النار واردون ، وشككنا في النجاة ، ولما روى الحسن الخبر الوارد [ 1 ] فيمن يخرج من النار بعد ألف عام ، وأنه ينادى يا حنان يا منان قال الحسن : يا ليتني كنت ذلك الرجل واعلم أن في الأخبار ما يدل على أن آخر من يخرج من النار بعد سبعة آلاف سنة ، وأن الاختلاف في المدة بين اللحظة وبين سبعة آلاف سنة ، حتى قد يجوز بعضهم على النار كبرق خاطف ، ولا يكون له فيها لبث . وبين اللحظة وبين سبعة آلاف سنة درجات متفاوتة ، من اليوم ، والأسبوع ، والشهر ، وسائر المدد . وإن الاختلاف بالشدة لا نهاية
شرح
[ 1 ] حديث من يخرج من النار بعد ألف عام وأنه ينادى يا حنان يا منان : أحمد وأبو يعلى من رواية أبي ظلال القسملي عن أنس وأبو ظلال ضعيف واسمه هلال بن ميمون
هامش
« 1 » الأنعام : 91
« 2 » فصلت : 30
« 3 » مريم : 71 ، 72