لأعلاه ، وأدناه التعذيب بالمناقشة في الحساب ، كما أن الملك قد يعذب بعض المقصرين في الأعمال بالمناقشة في الحساب ، ثم يعفو . وقد يضرب بالسياط ، وقد يعذب بنوع آخر من العذاب ويتطرق إلى العذاب اختلاف ثالث في غير المدة والشدة ، وهو اختلاف الأنواع .
إذ ليس من يعذب بمصادرة المال فقط ، كمن يعذب بأخذ المال ، وقتل الولد واستباحة الحريم ، وتعذيب الأقارب ، والضرب ، وقطع اللسان ، واليد ، والأنف ، والأذن وغيره .
فهذه الاختلافات ثابتة في عذاب الآخرة ، دل عليها قواطع الشرع . وهي بحسب اختلاف قوة الإيمان وضعفه ، وكثرة الطاعات وقلتها ، وكثرة السيئات وقلتها أما شدة العذاب فبشدة قبح السيئات وكثرتها . وأما كثرته فبكثرتها . وأما اختلاف أنواعه فباختلاف أنواع السيئات . وقد انكشف هذا لأرباب القلوب مع شواهد القرءان بنور الإيمان ، وهو المعنىّ بقوله تعالى * ( وما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) * « 1 » وبقوله تعالى * ( الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) * « 2 » وبقوله تعالى * ( وأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) * « 3 » وبقوله تعالى * ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ُ . ومن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ُ ) * « 4 » إلى غير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة ، من كون العقاب والثواب جزاء على الأعمال . وكل ذلك بعدل لا ظلم فيه . وجانب العفو والرحمة أرجح ، إذ قال تعالى فيما أخبر عنه نبينا صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « سبقت رحمتي غضبي » وقال تعالى * ( وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ من لَدُنْه ُ أَجْراً عَظِيماً ) * « 5 » فإذا هذه الأمور الكلية من ارتباط الدرجات والدركات بالحسنات والسيئات ، معلومة بقواطع الشرع ونور المعرفة فأما التفصيل فلا يعرف إلا ظنا ، ومستنده ظواهر الأخبار ونوع خدس يستمد من أنوار الاستبصار بعين الاعتبار فنقول كل من أحكم أصل الإيمان ، واجتنب جميع الكبائر ، وأحسن جميع الفرائض ، أعنى الأركان الخمسة ، ولم يكن منه إلا صغائر متفرقة لم يصرّ عليها ، فيشبه أن يكون عذابه المناقشة في الحساب فقط . فإنه إذا حوسب رجحت حسناته على سيئاته . إذ ورد في الأخبار أن الصلوات الخمس ، والجمعة وصوم رمضان ، كفارات لما بينهن . وكذلك اجتناب الكبائر
شرح
[ 1 ] حديث سبقت رحمتي غضبي : مسلم من حديث أبي هريرة
هامش
« 1 » فصلت : 46
« 2 » غافر : 17
« 3 » النجم : 39
« 4 » الزلزال : 7 ، 8
« 5 » النساء : 40