وهذا كله لفقد المعنى الذي بوجوده يصير الجاه محبوبا ، ووجود المعنى الذي بوجوده يصير الطعام لذيذا . وذلك لمن استرقته صفات البهائم والسباع ، ولم تظهر فيه صفات الملائكة التي لا يناسبها ولا يلذها إلى القرب من رب العالمين ، ولا يؤلمها إلا البعد والحجاب . وكما لا يكون الذوق إلا في اللسان ، والسمع إلا في الآذان ، فلا تكون هذه الصفة إلا في القلب .
فمن لا قلب له ليس له هذا الحس ، كمن لا سمع له ولا بصر ، ليس له لذة الألحان ، وحسن الصور والألوان . وليس لكل إنسان قلب . ولو كان لما صح قوله تعالى * ( إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَه ُ قَلْبٌ ) * « 1 » فجعل من لم يتذكر بالقرءان مفلسا من القلب . ولست أعنى بالقلب هذا الذي تكتنفه عظام الصدر ، بل أعنى به السر الذي هو من عالم الأمر ، وهو اللحم الذي هو من عالم الخلق عرشه ، والصدر كرسيه ، وسائر الأعضاء عالمه ومملكته ولله الخلق والأمر جميعا . ولكن ذلك السر الذي قال الله تعالى فيه * ( قُلِ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي ) * « 2 » هو الأمير والملك ، لأن بين عالم الأمر وعالم الخلق ترتيبا ، وعالم الأمر أمير على عالم الخلق وهو اللطيفة التي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، من عرفها فقد عرف نفسه ومن عرف نفسه فقد عرف ربه وعند ذلك يشم العبد مبادى روائح المعنى المطوى تحت قوله صلَّى الله عليه وسلم « إنّ الله خلق آدم على صورته » ونظر بعين الرحمة إلى الحاملين له على ظاهر لفظه ، وإلى المتعسفين في طريق تأويله وإن كانت رحمته للحاملين على اللفظ أكثر من رحمته للمتعسفين في التأويل لأن الرحمة على قدر المصيبة ، ومصيبة أولئك أكثر ، وإن اشتركوا في مصيبة الحرمان من حقيقة الأمر . فالحقيقة فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم . وهي حكمته يختص بها من يشاء ، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ولنعد إلى الغرض ، فقد أرخينا الطول وطولنا النفس ، في أمر هو أعلى من علوم المعاملات التي نقصدها في هذا الكتاب . فقد ظهر أن رتبة الهلاك ليس إلا للجهال المكذبين ، وشهادة ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلَّى الله عليه وسلم لا تدخل تحت الحصر ، فلذلك لم نوردها .
هامش
« 1 » ق : 37
« 2 » الاسراء : 85