تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
وبأنبيائه المرسلين ، إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لا محالة ، وكل محجوب عن محبوبه فمحول بينه وبين ما يشتهيه لا محالة ، فهو لا محالة يكون مخترقا نار جهنم بنار الفراق . ولذلك قال العارفون : ليس خوفنا من نار جهنم ، ولا رجاؤنا للحور العين ، وإنما مطلبنا اللقاء ، ومهربنا من الحجاب فقط . وقالوا : من يعبد الله بعوض فهو لئيم ، كأن يعبده لطلب جنته ، أو لخوف ناره . بل العارف يعبده لذاته ، فلا يطلب إلا ذاته فقط . فأما الحور العين والفواكه ، فقد لا يشتهيها . وأما النار ، فقد لا يتقيها . إذ نار الفراق إذا استولت ربما غلبت النار المحرقة للأجسام . فإن نار الفراق نار الله الموقدة ، التي تطلع على الأفئدة . ونار جهنم لا شغل لها إلا مع الأجسام ، وألم الأجسام يستحقر مع ألم الفؤاد ، ولذلك قيل
وفي فؤاد المحب نار جوى أحر نار الجحيم أبردها
ولا ينبغي أن تنكر هذا في عالم الآخرة ، إذ له نظير مشاهد في عالم الدنيا ، فقد رؤي من غلب عليه الوجد فغدا على النار ، وعلى أصول القصب الجارحة للقدم ، وهو لا يحس به لفرط غلبة ما في قلبه . وترى الغضبان يستولى عليه الغضب في القتال ، فتصيبه جراحات وهو لا يشعر بها في الحال ، لأن الغضب نار في القلب . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « الغضب قطعة من النّار » واحتراق الفؤاد أشد من احتراق الأجساد ، والأشد يبطل الإحساس بالأضعف كما تراه ، فليس الهلاك من النار والسيف ، إلا من حيث إنه يفرق بين جزأين . يرتبط أحدهما بالآخر برابطة التأليف الممكن في الأجسام . فالذي يفرق بين القلب وبين محبوبه الذي يرتبط به برابطة تأليف أشد إحكاما من تأليف الأجسام ، فهو أشد إيلاما إن كنت من أرباب البصائر وأرباب القلوب . ولا يبعد أن لا يدرك من لا قلب له شدة هذا الألم ، ويستحقره بالإضافة إلى ألم الجسم . فالصبي لو خير بين ألم الحرمان عن الكرة والصولجان . وبين ألم الحرمان عن رتبة السلطان ، لم يحس بألم الحرمان عن رتبة السلطان أصلا ، ولم يعد ذلك ألما ، وقال . العدو في الميدان مع الصولجان ، أحب إلىّ من ألف سرير للسلطان مع الجلوس عليه . بل من تغلبه شهوة البطن ، لو خير بين الهريسة والحلواء ، وبين فعل جميل يقهر به الأعداء ، ويفرح به الأصدقاء ، لآثر الهريسة والحلواء
شرح
[ 1 ] حديث الغضب قطعة من النار : الترمذي من حديث أبي سعيد نحوه وقد تقدم
إحياء علوم الدين — صفحة 183 | الغزالي