تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
بعضهم : أنا أعلم متى يغفر الله لي . قيل ومتى ؟ قال إذا تاب على . وقال آخر ، أنا من أن أحرم التوبة أخوف من أن أحرم المغفرة . أي المغفرة من لوازم التوبة وتوابعها لا محالة ويروى أنه كان في بني إسرائيل شاب عبد الله تعالى عشرين سنة ، ثم عصاه عشرين سنة . ثم نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته ، فساءه ذلك ، فقال : إلهي أطعتك عشرين سنة ، ثم عصيتك عشرين سنة . فإن رجعت إليك أتقبلنى ؟ فسمع قائلا يقول ولا يرى شخصا . أحببتنا فأحببناك ، وتركتنا فتركناك ، وعصيتنا فأمهلناك ، وإن رجعت إلينا قبلناك وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى : إن الله عبادا نصبوا أشجار الخطايا نصب روامق القلوب ، وسقوها بماء التوبة ، فأثمرت ندما وحزنا ، فجنوا من غير جنون ، وتبلدوا من غير عىّ ولا بكم ، وأنهم هم البلغاء الفصحاء ، العارفون باللَّه ورسوله ، ثم شربوا بكأس الصفاء فورثوا الصبر على طول البلاء ، ثم تولهت قلوبهم في الملكوت ، وجالت أفكارهم بين سرايا حجب الجبروت ، واستظلوا تحت رواق الندم ، وقرؤا صحيفة الخطايا ، فأورثوا أنفسهم الجزع ، حتى وصلوا إلى علو الزهد بسلم الورع ، فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا ، واستلانوا خشونة المضجع ، حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة ، وسرحت أرواحهم في العلا ، حتى أناخوا في رياض النعيم ، وخاضوا في بحر الحياة ، وردموا خنادق الجزع وعبروا جسور الهوى ، حتى نزلوا بفناء العلم ، واستقوا من غدير الحكمة ، وركبوا سفينة الفطنة ، وأقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة ، حتى صلوا إلى رياض الراحة ، ومعدن العز والكرامة . فهذا القدر كاف في بيان أن كل توبة صحيحة فمقبولة لا محالة فإن قلت : أفتقول ما قالته المعتزلة ، من أن قبول التوبة واجب على الله فأقول : لا أعنى بما ذكرته من وجوب قبول التوبة على الله ، إلا ما يريده القائل بقوله إن الثوب إذا غسل بالصابون وجب زوال الوسخ . وإن العطشان إذا شرب الماء وجب زوال العطش . وإنه إذا منع الماء مدة وجب العطش . وإنه إذا دام العطش وجب الموت وليس في شيء من ذلك ما يريده المعتزلة بالإيجاب على الله تعالى . بل أقول خلق الله تعالى الطاعة مكفرة للمعصية ، والحسنة ماحية للسيئة ، كما خلق الماء مزيلا للعطش ، والقدرة متسعة بخلافه لو سبقت به المشيئة . فلا واجب على الله تعالى . ولكن ما سبقت به إرادته