وكما أن الثوب الوسخ لا يقبله الملك لأن يكون لباسه . فالقلب المظلم لا يقبله الله تعالى لأن يكون في جواره . وكما أن استعمال الثوب في الأعمال الخسيسة يوسخ الثوب ، وغسله بالصابون والماء الجار ينظفه لا محالة ، فاستعمال القلب في الشهوات يوسخ القلب ، وغسله بماء الدموع وحرقة الندم ينظفه ، ويطهره ، ويزكيه . وكل قلب زكي طاهر فهو مقبول ، كما أن كل ثوب نظيف فهو مقبول . فإنما عليك التزكية والتطهير . وأما القبول فمبذول قد سبق به القضاء الأزلي الذي لا مرد له . وهو المسمى فلاحا في قوله * ( قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها ) * « 1 » ومن لم يعرف على سبيل التحقيق معرفة أقوى وأجلى من المشاهدة بالبصر ، أن القلب يتأثر بالمعاصي والطاعات تأثرا متضادا ، يستعار لأحدهما لفظ الظلمة ، كما يستعار للجهل ، ويستعار للآخر لفظ النور ، كما يستعار للعلم ، وأن بين النور والظلمة تضادا ضروريا ، لا يتصور الجمع بينهما . فكأنه لم يبق من الدين إلا قشوره ، ولم يعلق به إلا أسماؤه ، وقلبه في غطاء كثيف عن حقيقة الدين ، بل عن حقيقة نفسه ، وصفات نفسه . ومن جهل نفسه فهو بغيره أجهل . وأعنى به قلبه . إذ بقلبه يعرف غير قلبه . فكيف يعرف غيره وهو لا يعرف قلبه ! فمن يتوهم أن التوبة تصح ولا تقبل ، كمن يتوهم أن الشمس تطلع والظلام لا يزول ، والثوب يغسل بالصابون والوسخ لا يزول . إلا أن يغوص الوسخ لطول تراكمه في تجاويف الثوب وخلله ، فلا يقوى الصابون على قلعه . فمثال ذلك أن تتراكم الذنوب حتى تصير طبعا ورينا على القلب . فمثل هذا القلب لا يرجع ولا يتوب . نعم : قد يقول باللسان تبت ، فيكون ذلك كقول القصار بلسانه قد غسلت الثوب ، وذلك لا ينظف الثوب أصلا ، ما لم يغير صفة الثوب باستعمال ما يضاد الوصف المتمكن به . فهذا حال امتناع أصل التوبة ، وهو غير بعيد ، بل هو الغالب على كافة الخلق المقبلين على الدنيا ، المعرضين عن الله بالكلية . فهذا البيان كاف عند ذوي البصائر في قبول التوبة . ولكنا نعضد جناحه بنقل الآيات ، والأخبار ، والآثار . فكل استبصار لا يشهد له الكتاب والسنة لا يوثق به .
وقد قال تعالى * ( وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِه ِ ويَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ ) * « 2 » وقال تعالى * ( غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ ) * « 3 » إلى غير ذلك من الآيات
هامش
« 1 » الشمس : 9
« 2 » الشورى : 25
« 3 » غافر : 3