الأزلية فواجب كونه لا محالة . فإن قلت : فما من تائب إلا وهو شاك في قبول توبته والشارب للماء لا يشك في زوال عطشه ، فلم يشك فيه فأقول : شكه في القبول كشكه في وجود شرائط الصحة . فإن للتوبة أركانا وشروطا دقيقة كما سيأتي ، وليس يتحقق وجود جميع شروطها ، كالذي يشك في دواء شربه للإسهال في أنه هل يسهل ، وذلك لشكه في حصول شروط الإسهال في الدواء ، باعتبار الحال والوقت وكيفية خلط الدواء وطبخه ، وجودة عقاقيره وأدويته . فهذا وأمثاله موجب للخوف بعد التوبة ، وموجب للشك في قبولها لا محالة ، على ما سيأتي في شروطها إن شاء الله تعالى
الركن الثاني فيما عنه التوبة وهي الذنوب صغائرها وكبائرها
اعلم أن التوبة ترك الذنب . ولا يمكن ترك الشيء إلا بعد معرفته . وإذا كانت التوبة واجبة ، كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجبا . فمعرفة الذنوب إذا واجبة . والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى ، في ترك أو فعل . وتفصيل ذلك يستدعى شرح التكليفات من أولها إلى آخرها ، وليس ذلك من غرضنا . ولكنا نشير إلى مجامعها وروابط أقسامها ، والله الموفق للصواب برحمته
بيان أقسام الذنوب بالإضافة إلى صفات العبد
اعلم أن للإنسان أوصافا وأخلاقا كثيرة ، على ما عرف شرحه في كتاب عجائب القلب وغوائله ولكن تنحصر مثارات الذنوب في أربع صفات : صفات ربوبية ، وصفات شيطانية ، وصفات بهيمية ، وصفات سبعية . وذلك لأن طينة الإنسان عجنت من أخلاط مختلفة ، فاقتضى كل واحد من الأخلاط في المعجون منه أثرا من الآثار ، كما يقتضي السكر والخل ، والزعفران ، في السكنجبين آثارا مختلفة
فأما ما يقتضي النزوع إلى الصفات الربوبية ، فمثل الكبر ، والفخر ، والجبرية ، وحب
إحياء علوم الدين — صفحة 167
مساهمون: الغزالي
ص١٦٧