إذ فيها إشارات إلى وصف النفس ، وإلى وصف جلال الله . ويحصل به التنبه على الجملة ، وكمال المعرفة وراءه ، فإن هذا من علوم المكاشفة ، ولم نطنب في هذا الكتاب إلا في علوم المعاملة وأما معرفة الدنيا والآخرة ، فيستعين عليها بما ذكرناه في كتاب ذم الدنيا وكتاب ذكر الموت ، ليتبين له أن لا نسبة للدنيا إلى الآخرة . فإذا عرف نفسه وربه ، وعرف الدنيا والآخرة ، ثار من قلبه بمعرفة الله حب الله ، وبمعرفة الآخرة شدة الرغبة فيها ، وبمعرفة الدنيا الرغبة عنها . ويصير أهم أموره ما يوصله إلى الله تعالى ، وينفعه في الآخرة . وإذا غلبت هذه الإرادة على قلبه ، صحت نيته في الأمور كلها . فإن أكل مثلا ، أو اشتغل بقضاء الحاجة ، كان قصده منه الاستعانة على سلوك طريق الآخرة ، وصحت نيته ، واندفع عنه كل غرور منشؤه تجاذب الأغراض ، والنزوع إلى الدنيا ، والجاه ، والمال ، فإن ذلك هو المفسد للنية . وما دامت الدنيا أحب إليه من الآخرة ، وهوى نفسه أحب إليه من رضا الله تعالى ، فلا يمكنه الخلاص من الغرور .
فإذا غلب حب الله على قلبه بمعرفته باللَّه وبنفسه ، الصادرة عن كمال عقله ، فيحتاج إلى المعنى الثالث : وهو العلم ، أعنى العلم بمعرفة كيفية سلوك الطريق إلى الله ، والعلم بما يقرّبه من الله وما يبعده عنه ، والعلم بآفات الطريق وعقباته وغوائله . وجميع ذلك قد أودعناه كتب إحياء علوم الدين ، فيعرف من ربع العبادات شروطها فيراعيها ، وآفاتها فيتقيها ، ومن ربع العادات أسرار المعايش وما هو مضطر إليه فيأخذه بأدب الشرع ، وما هو مستغن عنه فيعرض عنه . ومن ربع المهلكات يعلم جميع العقبات المانعة في طريق الله ، فإن المانع من الله الصفات المذمومة في الخلق ، فيعلم المذموم ويعلم طريق علاجه . ويعرف من ربع المنجيات الصفات المحمودة التي لا بد وأن توضع خلفا عن المذمومة بعد محوها . فإذا أحاط بجميع ذلك أمكنه الحذر من الأنواع التي أشرنا إليها من الغرور . وأصل ذلك كله أن يغلب حب الله على القلب ، ويسقط حب الدنيا منه ، حتى تقوى به الإرادة ، وتصح به النية .
ولا يحصل ذلك إلا بالمعرفة التي ذكرناها .
فإن قلت : فإذا فعل جميع ذلك ، فما الذي يخاف عليه ؟ فأقول يخاف عليه أن يخدعه الشيطان ، ويدعوه إلى نصح الخلق ، ونشر العلم ، ودعوة الناس إلى ما عرفه من دين الله .
إحياء علوم الدين — صفحة 134
مساهمون: الغزالي
ص١٣٤