إن كان غرضه هدايتهم ؟ فإذا اهتدوا بغيره فلم يثقل عليه ؟ ومهما وجد ذلك في نفسه دعاه الشيطان إلى جميع كبائر القلوب ، وفواحش الجوارح ، وأهلكه ، فنعوذ باللَّه من زيغ القلوب بعد الهدى ، ومن اعوجاج النفس بعد الاستواء فإن قلت : فمتى يصح له أن يشتغل بنصح الناس فأقول : إذا لم يكن له قصد إلَّا هدايتهم لله تعالى ، وكان يود لو وجد من يعينه ، أو لو اهتدوا بأنفسهم ، وانقطع بالكلية طمعه عن ثنائهم وعن أموالهم ، فاستوى عنده حمدهم وذمهم ، فلم يبال بذمهم إذا كان الله يحمده ، ولم يفرح بحمدهم إذا لم يقترن به حمد الله تعالى ، ونظر إليهم كما ينظر إلى السادات وإلى البهائم . أما إلى السادات فمن حيث إنه لا يتكبر عليهم ، ويرى كلهم خيرا منه لجهله بالخاتمة . وأما إلى البهائم ، فمن حيث انقطاع طمعه عن طلب المنزلة في قلوبهم ، فإنه لا يبالي كيف تراه البهائم فلا يتزين لها ولا يتصنع . بل راعى الماشية إنما غرضه رعاية الماشية ، ودفع الذئب عنها دون نظر الماشية إليه . فما لم ير سائر الناس كالماشية التي لا يلتفت إلى نظرها ، ولا يبالي بها ، لا يسلم من الاشتغال بإصلاحهم . نعم ربما : يصلحهم ولكن يفسد نفسه بإصلاحهم فيكون كالسراج يضيء لغيره ويحترق في نفسه فإن قلت : فلو ترك الوعاظ الوعظ إلا عند نيل هذه الدرجة لخلت الدنيا عن الوعظ وخربت القلوب فأقول : قد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة » ولو لم يحب الناس الدنيا لهلك العالم ، وبطلت المعايش ، وهلكت القلوب والأبدان جميعا . إلا أنه صلَّى الله عليه وسلم علم أن حب الدنيا مهلك ، وأن ذكر كونه مهلكا لا ينزع الحب من قلوب الأكثرين ، لا الأقلين الذين لا تخرب الدنيا بتركهم ، فلم يترك النصح ، وذكر ما في حب الدنيا من الخطر ، ولم يترك ذكره خوفا من أن يترك نفسه بالشهوات المهلكة التي سلطها الله على عباده ، وليسوقهم بها إلى جهنم ، تصديقا لقوله تعالى * ( ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ من الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) * « 1 » فكذلك لا تزال ألسنة الوعاظ مطلقة
شرح
[ 1 ] حديث حب الدنيا رأس كل خطيئة : البيهقي في الشعب من حديث الحسن مرسلا وقد تقدم في كتاب ذم الدنيا
هامش
« 1 » السجدة : 13