تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
فإن المريد المخلص إذا فرغ من تهذيب نفسه وأخلاقه ، وراقب القلب حتى صفاه من جميع المكدرات ، واستوى على الصراط المستقيم ، وصغرت الدنيا في عينه فتركها ، وانقطع طمعه عن الخلق فلم يلتفت إليهم ، ولم يبق إلا هم واحد ، وهو الله تعالى ، والتلذذ بذكره ومناجاته ، والشوق إلى لقائه ، وقد عجز الشيطان عن إغوائه ، إذ يأتيه من جهة الدنيا وشهوات النفس فلا يطيعه ، فيأتيه من جهة الدين ، ويدعوه إلى الرحمة على خلق الله ، والشفقة على دينهم ، والنصح لهم ، والدعاء إلى الله . فينظر العبد برحمته إلى العبيد فيراهم حيارى في أمرهم ، سكارى في دينهم ، صما عميا ، قد استولى عليهم المرض وهم لا يشعرون وفقدوا الطبيب ، وأشرفوا على العطب ، فغلب على قلبه الرحمة لهم ، وقد كان عنده حقيقة المعرفة بما يهديهم ويبين لهم ضلالهم ، ويرشدهم إلى سعادتهم ، وهو يقدر على ذكرها من غير تعب ، ومئونة ، ولزوم غرامة ، فكان مثله كمثل رجل كان به داء عظيم لا يطاق ألمه . وقد كان لذلك يسهر ليله ويقلق نهاره ، لا يأكل ، ولا يشرب ، ولا يتحرك ، ولا يتصرف ، لشدة ضربان الألم ، فوجد له دواء عفوا صفوا من غير ثمن ، ولا تعب ، ولا مرارة في تناوله فاستعمله فبرئ وصح ، فطاب نومه بالليل بعد طول سهره ، وهدأ بالنهار بعد شدة القلق ، وطاب عيشه بعد نهاية الكدر ، وأصاب لذة العافية بعد طول السقام ، ثم نظر إلى عدد كثير من المسلمين وإذا بهم تلك العلة بعينها ، وقد طال سهرهم ، واشتد قلقهم ، وارتفع إلى السماء أنينهم ، فتذكر أن دواءهم هو الذي يعرفه ، ويقدر على شفائهم بأسهل ما يكون ، وفي أرجى زمان ، فأخذته الرحمة والرأفة ، ولم يجد فسحة من نفسه في التراخي عن الاشتغال بعلاجهم فكذلك العبد المخلص بعد أن اهتدى إلى الطريق ، وشفى من أمراض القلوب ، شاهد الخلق وقد مرضت قلوبهم ، وأعضل داؤهم ، وقرب هلاكهم وإشفاؤهم ، وسهل عليه دواؤهم فانبعث من ذات نفسه عزم جازم في الاشتغال بنصحهم ، وحرضه الشيطان على ذلك رجاء ؟ ؟ ؟ أن يجد مجالا للفتنة . فلما اشتغل بذلك وجد الشيطان مجالا للفتنة ، فدعاه إلى الرياء ؟ ؟ ؟ خفيا أخفى من دبيب النمل لا يشعر به المريد فلم يزل ذلك الدبيب في قلبه حتى دعاه إلى التصنع والتزين للخلق ، بتحسين الألفاظ ، والنغمات ، والحركات ، والتصنع في الزي والهيئة فأقبل الناس إليه يعظمونه ويبجلونه ويوقرونه توقيرا يزيد على توقير الملوك ، إذ رأوه شافيا
إحياء علوم الدين — صفحة 135 | الغزالي