تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وفرقة أخرى غلبهم البخل ، فلا تسمح نفوسهم إلا بأداء الزكاة فقط . ثم إنهم يخرجون من المال الخبيث الرديء ، الذي يرغبون عنه ، ويطلبون من الفقراء من يخدمهم ويتردد في حاجاتهم ، أو من يحتاجون إليه في المستقبل للاستسخار في خدمة ، أو من لهم فيه على الجملة غرض . أو يسلمون ذلك إلى من يعينه واحد من الأكابر ممن يستظهر بحشمه ، لينال بذلك عنده منزلة ، فيقوم بحاجاته . وكل ذلك مفسدات للنية ، ومحبطات للعمل ، وصاحبه مغرور ، ويظن أنه مطيع لله تعالى وهو فاجر ، إذ طلب بعبادة الله عوضا من غيره . فهذا وأمثاله من غرور أصحاب الأموال أيضا لا يحصى . وإنما ذكرنا هذا القدر للتنبيه على أجناس الغرور وفرقة أخرى من عوام الخلق وأرباب الأموال والفقراء ، اغتروا بحضور مجالس الذكر واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم ، واتخذوا ذلك عادة ، ويظنون أن لهم على مجرد سماع الوعظ دون العمل ودون الاتعاظ أجرا ، وهم مغرورون . لأن فضل مجلس الذكر لكونه مرغبا في الخير . فإن لم يهيج الرغبة فلا خير فيه . والرغبة محمودة لأنها تبعث على العمل . فإن ضعفت عن الحمل على العمل فلا خير فيها . وما يراد لغيره فإذا قصر عن الأداء إلى ذلك الغير فلا قيمة له . وربما يغتر بما يسمعه من الواعظ . من فضل حضور المجلس ، وفضل البكاء ، وربما تدخله رقة كرقة النساء فيبكي ولا عزم ، وربما يسمع كلاما مخوفا فلا يزيد على أن يصفق بيديه ويقول : يا سلام سلم ، أو نعوذ باللَّه ، أو سبحان الله ، ويظن أنه قد أتى بالخير كله ، وهو مغرور . وإنما مثاله مثال المريض الذي يحضر مجالس الأطباء فيسمع ما يجرى ، أو الجائع الذي يحضر عنده من يصف له الأطعمة اللذيذة الشهية ثم ينصرف ، وذلك لا يغنى عنه من مرضه وجوعه شيئا . فكذلك سماع وصف الطاعات دون العمل بها لا يغنى من الله شيئا . فكل وعظ لم يغير منك صفة تغيرا يغير أفعالك ، حتى تقبل على الله تعالى إقبالا قويا أو ضعيفا وتعرض عن الدنيا ، فذلك الوعظ زيادة حجة عليك . فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغرورا فإن قلت : فما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يتخلص منه أحد ، ولا يمكن الاحتراز منه ، وهذا يوجب اليأس ، إذ لا يقوى أحد من البشر على الحذر من خفايا هذه الآفات فأقول الإنسان إذا فترت همته في شيء أظهر اليأس منه ، واستعظم الأمر ، واستوعر الطريق . وإذا صح منه الهوى اهتدى إلى الحيل ، واستنبط بدقيق النظر خفايا الطرق