لأدوائهم بمحض الشفقة والرحمة من غير طمع ، فصار أحب إليهم من آبائهم ، وأمهاتهم وأقاربهم ، فآثروه بأبدانهم وأموالهم ، وصاروا له خولا كالعبيد والخدم ، فخدموه وقدموه في المحافل ، وحكموه على الملوك والسلاطين . فعند ذلك انتشر الطبع ، وارتاحت النفس ، وذاقت لذة يا لها من لذة ، أصابت من الدنيا شهوة يستحقر معها كل شهوة ، فكان قد ترك الدنيا فوقع في أعظم لذاتها ، فعند ذلك وجد الشيطان فرصة ، وامتدت إلى قلبه يده ، فهو يستعمله في كل ما يحفظ عليه تلك اللذة وأمارة انتشار الطبع ، وركون النفس إلى الشيطان ، أنه لو أخطأ فردّ عليه بين يدي الخلق غضب . فإذا أنكر على نفسه ما وجده من الغضب ، بادر الشيطان فخيل إليه أن ذلك غضب لله ، لأنه إذا لم يحسن اعتقاد المريدين فيه انقطعوا عن طريق الله . فوقع في الغرور . فربما أخرجه ذلك إلى الوقيعة فيمن رد عليه ، فوقع في الغيبة المحظورة بعد تركه الحلال المتسع ، ووقع في الكبر الذي هو تمرد عن قبول الحق والشكر عليه ، بعد أن كان يحذر من طوارق الخطرات . وكذلك إذا سبقه الضحك ، أو فتر عن بعض الأوراد ، جزعت النفس أن يطلع عليه فيسقط قبوله ، فأتبع ذلك بالاستغفار وتنفس الصعداء ، وربما زاد في الأعمال والأوراد لأجل ذلك ، والشيطان يخيل إليه إنك إنما تفعل ذلك كيلا يفتر رأيهم عن طريق الله ، فيتركون الطريق بتركه ، وإنما ذلك خدعة وغرور . بل هو جزع من النفس خيفة فوت الرئاسة ولذلك لا تجزع نفسه من اطلاع الناس على مثل ذلك من أقرانه ، بل ربما يحب ذلك ويستبشر به ، ولو ظهر من أقرانه من مالت القلوب إلى قبوله ، وزاد أثر كلامه ، في القبول على كلامه ، شق ذلك عليه . ولولا أن النفس قد استبشرت واستلذت الرئاسة ، لكان يغتنم ذلك . إذ مثاله أن يرى الرجل جماعة من إخوانه قد وقعوا في بئر ، وتغطى رأس البئر بحجر كبير ، فعجزوا عن الرقي من البئر بسببه ، فرق قلبه لإخوانه ، فجاء ليرفع الحجر من رأس البئر ، فشق عليه ، فجاءه من أعانه على ذلك حتى تيسر عليه ، أو كفاه ذلك ونحاه بنفسه ، فيعظم بذلك فرحه لا محالة ، إذ غرضه خلاص إخوانه من البئر . فإن كان غرض الناصح خلاص إخوانه المسلمين من النار ، فإذا ظهر من أعانه أو كفاه ذلك لم يثقل عليه . أرأيت لو اهتدوا جميعهم من أنفسهم ، أكان ينبغي أنه يثقل ذلك عليه
إحياء علوم الدين — صفحة 136
مساهمون: الغزالي
ص١٣٦