تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
في الوصول إلى الغرض ، حتى أن الإنسان إذا أراد أن يستنزل الطير المحلق في جو السماء مع بعده منه استنزله وإذا أراد أن يخرج الحوت من أعماق البحار استخرجه . وإذا أراد أن يستخرج الذهب أو الفضة من تحت الجبال استخرجه . وإذا أراد أن يقتنص الوحوش المطلقة في البراري والصحاري اقتنصها . وإذا أراد أن يستسخر السباع والفيلة وعظيم الحيوانات استسحرها . وإذا أراد أن يأخذ الحيات والأفاعي ويعبث بها أخذها ، واستخرج الدرياق من أجوافها . وإذا أراد أن يتخذ الديباج الملون المنقش من ورق التوت اتخذه . وإذا أراد أن يعرف مقادير الكواكب وطولها وعرضها استخرج بدقيق الهندسة ذلك ، وهو مستقر على الأرض . وكل ذلك باستنباط الحيل ، وإعداد الآلات . فسخر الفرس للركوب ، والكلب للصيد ، وسخر البازي لاقتناص الطيور ، وهيأ الشبكة لاصطياد السمك ، إلى غير ذلك من دقائق حبل الآدمي . كل ذلك لأن همه أمر دنياه ، وذلك معين له على دنياه . فلو أهمه أمر آخرته ، فليس عليه إلا شغل واحد . وهو تقويم قلبه . فعجز عن تقويم قلبه وتخاذل وقال هذا محال ، ومن الذي يقدر عليه وليس وذلك بمحال لو أصبح وهمه هذا الهم الواحد ، بل هو كما يقال
لو صح منك الهوى أرشدت للحيل
فهذا شيء لم يعجز عنه السلف الصالحون ، ومن اتبعهم بإحسان ، فلا يعجز عنه أيضا من صدقت إرادته ، وقويت همته ، بل لا يحتاج إلى عشر تعب الخلق في استنباط حيل الدنيا ونظم أسبابها فإن قلت : قد قرّبت الأمر فيه ، مع أنك أكثرت في ذكر مداخل الغرور ، فبم ينجو العبد من الغرور ؟ . فاعلم أنه ينجو منه بثلاثة أمور : بالعقل ، والعلم ، والمعرفة . فهذه ثلاثة أمور لا بد منها . أما العقل ، فأعنى به الفطرة الغريزية ، والنور الأصلي الذي به يدرك الإنسان حقائق الأشياء . فالفطنة والكيس فطرة ، والحمق والبلادة فطرة . والبليد لا يقدر على التحفظ عن الغرور . فصفاء العقل ، وذكاء الفهم ، لا بد منه في أصل الفطرة فهذا إن لم يفطر عليه الإنسان فاكتسابه غير ممكن نعم إذا حصل أصله أمكن تقويته بالممارسة فأساس السعادات كلها العقل والكياسة . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « تبارك الله الَّذي قسم العقل بين عباده
شرح
[ 1 ] حديث تبارك الذي قسم العقل بين عباده - الحديث : الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من رواية طاوس مرسلا وفي أوله قصة واسناده ضعيف ورواه بنحوه من حديث أبي حميد وهو ضعيف أيضا