تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
ويرون إخفاء الفقير لما يأخذه منهم جناية عليهم وكفرانا . وربما يحرصون على إنفاق المال في الحج ، فيحجون مرة بعد أخرى ، وربما تركوا جيرانهم جياعا . ولذلك قال ابن مسعود : في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب ، يهون عليهم السفر ، ويبسط لهم في الرزق ، ويرجعون محرومين مسلوبين ، يهوى بأحدهم بعيره بين الرمال والقفار ، وجاره مأسور إلى جنبه لا يواسيه وقال أبو نصر التمار : إن رجلا جاء يودع بشر بن الحارث ، وقال قد عزمت على الحج ، فتأمرنى بشيء ؟ فقال له كم أعددت للنفقة ؟ فقال ألفي درهم . قال بشر : فأي شيء تبتغي بحجك ، تزهدا ، أو اشتياقا إلى البيت ، أو ابتغاء مرضاة الله ؟ قال ابتغاء مرضاة الله . قال فإن أصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلك ، وتنفق ألفي درهم ، وتكون على يقين من مرضاة الله تعالى ، أتفعل ذلك ؟ قال نعم . قال اذهب فأعطها عشرة أنفس . مديون يقضى دينه ، وفقير يرم شغثه ، ومعيل يغنى عياله ، ومربي يتيم يفرحه . وإن قوى قلبك تعطيها واحدا فافعل فإن إدخالك السرور على قلب المسلم ، وإغاثة اللهفان ، وكشف الضر ، وإعانة الضعيف أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام ، قم فأخرجها كما أمرناك ، وإلا فقل لنا ما في قلبك . فقال يا أبا نصر ، سفري أقوى في قلبي . فتبسم بشر رحمه الله وأقبل عليه وقال له . المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات ، اقتضت النفس أن تقضى به وطرا ، فأظهرت الأعمال الصالحات وقد آلى الله على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين وفرقة أخرى من أرباب الأموال اشتغلوا بها ، يحفظون الأموال ويمسكونها بحكم البخل ، ثم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا يحتاج فيها إلى نفقة ، كصيام النهار ، وقيام الليل وختم القرءان ، وهم مغرورون . لأن البخل المهلك قد استولى على بواطنهم ، فهو يحتاج إلى قمعه بإخراج المال . فقد اشتغل بطلب فضائل هو مستغن عنها ومثاله مثال من دخل في ثوبه حية ، وقد أشرف على الهلاك ، وهو مشغول بطبخ السكنجبين ليسكن به الصفراء ومن قتلته الحية متى يحتاج إلى السكنجبين ! ولذلك قيل لبشر : إن فلانا الغنى كثير الصوم والصلاة . فقال : المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره . وإنما حال هذا إطعام الطعام للجياع والإنفاق على المساكين ، فهذا أفضل له من تجويعه نفسه ، ومن صلاته لنفسه مع جمعه للدنيا ومنعه للفقراء .